اسألوا الأحياء من الوفد الجزائري عن البنود السرية في اتفاقيات إيفيان
في هذا الحوار، يتحدث الأمين العام للمنظمة الوطنية للمجاهدين، السعيد عبادو، عن موقع منظمته من الانتخابات التشريعية، مبددا المخاوف من وصول الإسلاميين إلى الحكم في الجزائر، بعدما سيطروا عليه في كل من مصر وتونس والمغرب، ويؤكد بأنه نزل إلى عبد العزيز زياري داعما لمقترح قانون تجريم الاستعمار، لكن من دون جدوى، كما ثمّن موقف الوزير الأول التركي، رجب الطيب أردوغان، الداعم للجزائر في مطالبتها فرنسا الاعتذار.
تزامن المؤتمر الحادي عشر للمنظمة الوطنية للمجاهدين، مع الذكرى الخمسين لوقف إطلاق النار، هل كان ذلك مجرد مصادفة؟
كان من المقرر أن يعقد المؤتمر في أواخر العام المنصرم، وقد تجاوزنا التاريخ المحدد. كان أن هناك اقتراحا من طرف الأمانة الوطنية ليعقد المؤتمر في جو طبيعي مناسب، لان نهاية 2011 شهدت أمطارا وثلوجا ما من شانه أن يعيق تنقل المجاهدين، وهم في عمومهم من كبار السن.. ولذلك ارتأينا تأخير المؤتمر إلى غاية بداية الربيع لتزامنه مع عيد النصر الموافق لـ19 مارس، الذي نعتبره نحن المجاهدين تاريخ الاستقلال الحقيقي، وكان هذا اقتراحا لقي مباركة من طرف الأمانة الوطنية.
هل هناك تنسيق بين المنظمة الوطنية للمجاهدين وأطراف فرنسية لتحضير الاحتفالات بالذكرى الخمسين لعيد الاستقلال؟
أبدا، ليس هناك أي تحضير مشترك بيننا وبين فرنسا للاحتفال بالذكرى الخمسين لعيد الاستقلال، لأن هذا العيد يخص الجزائر وحدها. الجزائر لها تجربة، وقد سبق للجزائريين أن خرجوا محتفلين في 8 ماي 1945، بعد انتصار الحلفاء وتحرير فرنسا من النازية، لكن للأسف الرد كان دمويا وعنيفا من الجيش الاستعماري، نتج عنه سقوط 45 ألف شهيد، ولذلك فالاحتفال بذكرى عيد النصر أو عيد الاستقلال هو احتفال خاص بالجزائر. ولو أرادت فرنسا أن تحتفل بهذا اليوم فهذا يعني أنها ستحتفل بهزيمتها، وهي حرة في ذلك.
كاتب الدولة الفرنسي لشؤون قدماء المحاربين، مارك لافينور، قال إن فرنسا لن تحتفل هذا العام بذكرى 19 مارس، لأنه يرمز لاقتلاع ناس من جذورهم (يقصد طرد الحركى والأقدام السوداء من الدولة التي ولدوا فيها).. ماذا تقولون؟
19 مارس هو تاريخ الاعتراف الرسمي من طرف فرنسا باستقلال الجزائر بعد كفاح طويل وشاق وتضحيات جسيمة، وبعد مفاوضات عسيرة تخللتها عدة انقطاعات، بسبب تمسك بفرنسا بمطلبها القاضي بفصل الصحراء.
تحدثت بعض الكتابات والتحاليل التي تطرقت إلى العلاقات الجزائرية الفرنسية عن وجود بنود سرية في اتفاقيات إيفيان، التي رسمت استقلال الجزائر. ما مصداقية هذه الطروحات؟
ليست هناك بنود سرية في اتفاقيات إيفيان، ولا يمكن أن تكون هناك بنود سرية. لا يمكن أن يقدم الوفد المفاوض على عمل من هذا القبيل، لأنه كانت لدية اتصالات مستمرة مع الحكومة المؤقتة ومع قيادة الأركان. لهذا لا يمكن أن تكون هناك بنود سرية. كانت هناك هيئة أشرفت على وقف إطلاق النار حتى إعلان الاستقلال. هناك إخوان كانوا في الوفد الجزائري المفاوض ويمكن أن يؤكدوا ذلك.
الفرنسيون يتحدثون ويصرون على اتهام الجزائر (جبهة التحرير)، بعد 19 مارس 1962، بارتكاب تجاوزات في حق الذين اختاروا الوقوف إلى جانب فرنسا، مثل الحركى والأقدام السوداء، ما قولكم؟
إذا كانت هناك تجاوزات وجرائم، فمنظمة الجيش السري الإرهابية (أو. أ. آس) هي من ارتكب تلك الجرائم. وهي بذلك ليس فقط لم تحترم اتفاقيات إيفيان، وإنما لم تحترم أيضا فرنسا، من خلال عمليات الاغتيال والترويع التي قامت بها، وأذكر على سبيل المثال العملية الإرهابية التي استهدفت ميناء العاصمة في 2 ماي 1962، التي راح ضحيتها المئات من العمال، إضافة إلى العديد من عمليات الاغتيال.
وحتى فرنسا نفسها لم تحترم اتفاقيات إيفيان، التي تنص على تقديم فرنسا المساعدات اللازمة للجزائر المستقلة، ولكنها لم تحترم هذا البند. بل إنها لم تكتف بهذا بل أقدمت على تخريب ما تركته، وقامت بنهب الأموال من البنوك، عكس جبهة التحرير وجيش التحرير، اللذين احترما بنود اتفاقيات إيفيان، سيما ما تعلق منها بحقوق الأوربيين الذين خيروا بين الجنسية الجزائرية أو الفرنسية..
انتقلت فرنسا في الفترة الأخيرة من الدفاع إلى الهجوم، وصارت هي من يتهم الجزائر بارتكاب “تجاوزات” بحق الحركى والأقدام السوداء. من موقعكم كمسؤول على أكبر منظمات الأسرة الثورية، كيف تقرأون هذا الموقف؟
فرنسا كانت تصر على اعتبار الجزائر جزءا من وحدتها الترابية، على عكس بقية مستعمراتها، وقد سنت من أجل ذلك القوانين.. لقد كان الاستعمار الفرنسي في الجزائر مختلفا عن غيره، كان استعمارا استيطانيا. الفرنسيون تملكوا الأرض بالقوة، وفرضوا لغتهم على الجزائريين بالقوة، وحاولوا طمس الهوية الوطنية، واللغة العربية، وهذا أمر نادر، لأن ألمانيا لما احتلت فرنسا لم تقل إن أرض فرنسا هي أرض ألمانية. هذا موقف نتأسف عليه، لأن فرنسا تدعي الأخوة والعدالة والحرية والمساواة. أتعجب لأن مثل هذه الممارسات لا تشرف الساسة الفرنسيين.
لو نعد إلى الموقف الفرنسي من المطالب الجزائرية المتعلقة بالاعتذار عن جرائم الاستعمار. فرنسا اعتذرت عن استعمارها لدولة مثل مدغشقر، كما أجبرت ألمانيا المنهزمة في الحرب العالمية الثانية، على الاعتذار، غير أنها لما يتعلق بالجزائر ترفض، لماذا برأيكم؟
من غير المعقول أن تطلب فرنسا الاعتذار من ألمانيا، وتعتذر لمدغشقر، لكنها ترفض عندما يتعلق الأمر بالجزائر. فرنسا حاكمت زعماء النازية وتحصلت على تعويضات من ألمانيا، بالرغم من أن استعمار ألمانيا لفرنسا لم يدم سوى مدة وجيزة إذا ما قورنت بفترة احتلال الجزائر، وفي نفس الوقت يمجدون استعمارهم. هذا يدل على أن الساسة الفرنسيين لا زالوا يحلمون بـ الجزائر فرنسية”، ولا زالوا يتعاملون معها كأنها مستعمرة، ونحن نتأسف لذلك.
البعض أدرج خرجات الساسة الفرنسيين المعادية للجزائر في خانة الحملة الانتخابية للرئاسيات الفرنسية التي تجرى الشهر المقبل، ما تعليقكم؟
هذا مستوى سياسي رديء. توظيف التاريخ في قضية انتخابية أمر غير مقبول. الحملات الانتخابية عادة تتحدث عن برامج راقية، وتخطط لتحسين العلاقات بين الدول، لكن القيام بحملة رخيصة من هذا القبيل لا يبشر بمستقبل مشرف بالنسبة لفرنسا، خاصة عندما يكرم بعض الخونة من أجل ربح بعض الأصوات.. الخائن يبقى خائنا في جميع التقاليد والأعراف، وتكريم الحركى يعني إهانتهم، لأن الخائن يبقى خائنا مهما كرم. هذا أسلوب غير حضاري.
هناك من يقول إن اليسار يختلف عن اليمين في الموقف من الماضي الاستعماري. من هذا المنطلق، هل تعتقد أن مرشح اليسار فرانسوا هولاند، أحسن من مرشح اليمين، نيكولا ساركوزي الباحث عن عهدة ثانية؟
اليسار الفرنسي كان حاكما أثناء الثورة التحريرية، من خلال “غي مولي”، وقد رفض المفاوضات مع قادة الثورة، وراهن على القضاء عليها إلى أن انهار هذا التيار في 1958، ليأتي اليمين إلى الحكم غير الجنرال ديڤول، الذي استعمل بدوره كل ما أمكنه للقضاء على الثورة، لكنه فشل أيضا، ولذلك اعترفت الجمهورية الخامسة تحت الضغط بحق الجزائريين في تقرير مصيرهم. عتقد أن العلاقات بين الشعوب يجب أن تكون أسمى من التوظيف الظرفي المرتبط بالأغراض السياسية، حفاظا على مستقبل الأجيال.
ومن تفضلون الفوز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، فرانسوا هولاند أو نيكولا ساركوزي؟
أنا أفضل من تكون له نظرة واضحة تخدم العلاقات بين الشعبين، سواء كان من اليسار أو من اليمين.
هل تعتقدون أن العلاقات بين الجزائر وفرنسا ستكون أفضل إذا فاز هولاند؟
أعتقد أن تمسك الساسة الفرنسيين ببعض الملفات مثل تمجيد الاستعمار، يدخل العلاقات الثنائية في متاهات، وقد وقفنا على مصير معاهدة الصداقة التي كثر الحديث عنها قبل سنوات، والتي يبدو أن أمرها انتهى بسبب تبني البرلمان الفرنسي لقانون 23 فيفري 2005، الممجد للاستعمار.
كيف السبيل لتوظيف أصوات الجالية الجزائرية في فرنسا من أجل خدمة بلادهم، وهل تعتقدون أنها مؤطرة كما يجب؟
الجالية الجزائرية عبرت عن ارتباطها ببلادها ودافعت عن قضيتها، وقد وقفنا على ذلك خلال الثورة التحريرية، حيث نقلت العمليات الجهادية إلى الأرض الفرنسية، بالرغم من إمكاناتها المحدودة. ويتذكر الجميع مظاهرات 17 أكتوبر الشهيرة، والتي قضى فيها الكثير من الجزائريين رميا في نهر السين، ومن بينهم شقيقي لخضر الذي كُبّل بالأسلاك ورمي في النهر.
فرنسا سنت قانونا مجّد الجرائم الاستعمارية في الجزائر، ودعمته بقانون آخر يجرم من يسيء للحركى، في حين أننا في الجزائر عجزنا عن سن قانون واحد يجرّم الممارسات الاستعمارية في الجزائر، هل تجدون هذا منطقيا بعد خمسين سنة عن الاستقلال؟
موقف القيادة الجزائرية كان في المستوى. الفرنسيون كانوا يراهنون على إبرام معاهدة صداقة مع الجزائر لحماية مصالحهم، لكن ذلك لم يتم. وهذا يشكل ضربة كبيرة للطرف الفرنسي، الذي كان حريصا على التوقيع على هذه المعاهدة.
لكننا ما زلنا عاجزين عن سن قانون يجرّم الاستعمار؟
القانون لم يُوقف . ربما أوقف في الوقت الحالي. لكنه يجب أن يمر. نحن نعلق آمالا على البرلمان المقبل، الذي سينتخب في شفافية. عندما يصادق البرلمان الفرنسي على قانون يمجد التواجد الاستعماري في الجزائر ويعتبره تحضيرا (من الحضارة)، ونحن لا نردّ، من واجبنا أن نرد الصاع صاعين. إذا كان البرلمان الحالي لم يكن في المستوى المطلوب في هذا الموضوع بالذات، فنحن نعتقد أن البرلمان القادم سيتبنّى القانون المعطل.
كيف يمكن إقناع الجزائريين المتذمرين من رفض مشروع قانون تجريم الاستعمار، بالمبررات التي ساقتها السلطة؟
هذا السؤال يوجّه للبرلمان. منظمة المجاهدين ليست البرلمان أو السلطة. والبرلمان هو منتخب من طرف الشعب، ويفترض أن يعبر عن طموحات الشعب بشجاعة، والقانون العضوي الذي يسير البرلمان يسمح له بذلك.
لكن البعض يرى أن المنظمة لها ثقل كبير وبإمكانها فرض القانون إن هي أرادت؟
نحن دعمنا المشروع. كانت لدينا اتصالات مع مجاهدين ومناضلين وإطارات في البرلمان. وعرضنا الأمر حتى على مكتب المجلس الشعبي الوطني، وهو حر في قراره..
نحن مقبلون على انتخابات التشريعية، هل لديكم نية لدعوة المجاهدين للتصويت لصالح حزب معين؟
المجاهدون متواجدون في كل الأحزاب تقريبا، ولذلك نحن لا نقوم بحملة لأي حزب معين. وسبق لنا أن قلنا هذا لأحزاب، وإن أكدنا بأن المنظمة لا تتدخل لترشيح هذا أو ذاك، لكنها تفضل ترشيح الشخصيات الكُفء، النظيفة ماضيا وحاضرا، وكل مجاهد حر في الترشح مع الحزب الذي يريده، وإن نفضل ترك الفرصة للشباب.
إلى غاية اليوم لا تزال السلطة تستند إلى الشرعية التاريخية، هل تعتقدون أن الوقت حان لتسليم المشعل للشباب؟
اعتقد أن الشرعية الثورية انتهت منذ الشروع في العمل بالانتخابات في 1967. منذ هذا التاريخ، أصبح الباب مفتوحا أمام من يريد الترشح. إذا نعني بالشرعية الثورية أشخاصا، فالمجاهدون كانوا يترشحون. أما إذا نعني بها التمسك بقيم الثورة والسعي لتجسيدها، فنحن مازلنا نعمل من أجل ذلك.
هناك تغيرات تشهدها المنطقة العربية، أبرز ما فيها بروز نجم الإسلاميين، الذين أصبحوا قوة صاعدة، فهم يحكمون مصر ما بعد مبارك، وتونس ما بعد بن علي، وحتى في المغرب أيضا. هل أنتم متخوفون من صعود الإسلاميين في الجزائر، وهل تقبلون في حال فوزهم في الانتخابات التشريعية المقبلة؟
ليست لدينا أية تحفظات على أي جزائري كان. نحن مسلمون. وحتى كلمة الإسلاميين أو الإسلامويين لا نعترف بها. وأي مواطن أعطاه الشعب الجزائري صوته فليتفضل، نحن لا نفرق بين هذا وذاك. نحن ضد الإرهاب وضد العنف، ضد ضرب الاستقرار، وأي مواطن تتوفر فيه الشروط الوطنية، كما جاء في بيان أول نوفمبر، فمرحبا به.
خلفت تصريحات الوزير الأول، أحمد أويحيى، مؤخرا استنكارا لدى الطبقة السياسية وعموم الجزائريين، على خلفية مهاجمته للوزير الأول التركي الذي انتقد جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر؟
لا أريد أن أرد على مسؤول أي حزب. لأننا في معركة انتخابية.. نحن موقفنا واضح وسبق وأن أعلناه. نثمن عاليا موقف الوزير الأول التركي في تدعيم مطالب الجزائر بتجريم الاستعمار الفرنسي، لأننا بحاجة إلى دعم دولي. الفرنسيون استفادوا كثيرا من الدعم الدولي في التخلص من الاستعمار النازي، وفي تجريم النازية ومحاكمة رموزها، كما كان لهم أيضا دعم دولي في إعادة بناء فرنسا ما بعد الحرب. وللأسف الجزائر لم تتلق هذا الدعم حتى من الشعوب التي عاشت الاستعمار، العربية والإسلامية وشعوب إفريقية أخرى، ولهذا نحن نرحب بهذا الدعم لأن هذا الذي ينقصنا من أجل حمل فرنسا على الاعتذار والتعويض.
نحن نعمل في هذا الاتجاه، وقد طرحنا القضية على مستوى الاتحاد العربي لقدماء المحاربين، وكان هناك موقف جاء في شكل لائحة. وكان هناك موقف على مستوى الاتحاد الدولي، خاصة ما تعلق بالتجارب النووية الفرنسية في جنوب البلاد.. ولكن كنا نظن أن يكون موقف دولة مثل تركيا مبدئيا وليس ظرفيا على خلفية قضية تخصهم مع فرنسا، وهي ما يعرف بـ “قضية الأرمن”.
نتمنى أن تكون قضية الاستعمار قضية كل الدول وكل الشعوب، لفائدة مستقبل الإنسانية، وبمواقف من هذا القبيل، نخدم القضايا الدولية والإنسانية، ونضع حد للاستعمار وللهيمنة على الشعوب، وهذا ما أوصى به ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على أن الشعوب في مستوى واحد على اختلافها.