محمية الرغاية.. آخر ما تبقى من متيجة القديمة
* المحمية تواجه نفايات 50 مصنعا وقاطنو القصدير
* 600 مليار سنتيم لإعادة التهيئة مجمّدة منذ سنوات تنتظر الإفراج
* شركات ناشئة تحتاج دعم السلطات للتنفيس على بحيرة رغاية
تعتبر بحيرة الرغاية من أجمل المناطق الرّطبة بالعاصمة بالنظر لتوفّرها على الشروط الضرورية من مساحة خضراء، حيوانات وطيور متنوّعة، إضافة إلى موقعها الجغرافي الرائع بوقوعها في الحدود مع الساحل البحري ما أعطى لها منظرا جميلا يسحر الزوار الذين يرونه، وللأسف تعرضت هذه المحمية إلى تلوث بيئي كبير بسبب تدفق المياه الملوثة إليها من الوحدات الصناعية المتواجدة بالمنطقة وهو ما جعل ولاية الجزائر توجه إعذارات للوحدات الصناعية المسؤولة عن تلوث البحيرة، في حين تتعرض هذه الأخيرة حاليا إلى ضغط كبير ناتج عن التوسع الحضري والوحدات الصناعية المنتشرة حولها، حيث فرض على هذه الوحدات إنشاء محطاتها الخاصة لتصفية نفاياتها الصناعية، وفق مسؤولين من الولاية لـ”الشروق أونلاين”.
ولمعالجة هذه الاختلالات قامت مصالح ولاية الجزائر – حسب تقرير مديرية البيئة – باتخاذ عدة إجراءات، أهمها وضع برنامج تفتيشي صارم على مستوى الوحدات الصناعية؛ لحث مسؤوليها على إنشاء “نظام معالجة قبلي” للإفرازات الصناعية السائلة، والقيام بأعمال هيدروليكية، إلى جانب ربط جميع المصبات الحضرية بمحطة معالجة مياه الصرف الصحي لرغاية.
كما تم إحصاء البيوت الهشة من أجل برمجة عملية إعادة إسكان قاطنيها لاحقا، وتخليص المكان من الشاغلين؛ حيث شرعت في تركيب سياج على طول 5100 متر، يهدف إلى الحد من استنزاف الأراضي الفلاحية، والحفاظ على الطابع الفلاحي للمنطقة، مع إنجاز حدائق زراعية، تتكون من أشجار مصدات الهواء، وأشجار مثمرة.
و كان الوزير والي العاصمة، محمد عبد النور رابحي، قد كلف خلال سابقا، كل المديرين والمسؤولين التنفيذيين المحليين، منهم مصالح الغابات والحزام الأخضر، والبيئة، والأشغال العمومية، والموارد المائية، فضلا عن مركز الصيد ببحيرة رغاية، بالإسراع بإعداد الدراسات التقنية، وتنفيذ كل الأشغال والمشاريع للحفاظ على البحيرة؛ باعتبارها مكسبا إيكولوجيا وسياحيا بامتياز، يتطلب الرعاية، ورد الاعتبار، بإلزام كل المؤسسات بالمناطق الصناعية المحاذية للبحيرة، باحترام قوانين معالجة مياهها، وحملها على عدم رمي نفاياتها في مياه هذه المحمية الطبيعية من خلال إنشاء محطات التصفية الأولية لمخلفات هذه النفايات داخل النسيج الصناعي لهذه المؤسسات.

إعادة النظر في فتح ملف البحيرة الذي أغلق سنة 2015
دعت منظمات وجمعيات المجتمع المدني ونواب بالبرلمان، الحكومة، إلى إعادة النظر في فتح ملف، بحيرة الرغاية، الذي تم غلقه منذ سنة 2015، بعد تفاؤل مواطني البلدية والبلديات المجاورة، خيرا بسعي السلطات المحلية والولائية لتهيئتها بمعية الوادي، حيث خصّصت لهما ميزانية قدرت بـ1000 مليار سنتيم، مقسمة إلى 400 مليار تم تخصيصها لتهيئة وادي الرغاية، و600 مليار لفائدة تهيئة البحيرة، التابعة لمديرية الغابات، والتي تم اختيارها من بين أزيد من 1888 موقع، كمحمية طبيعية منذ شهر جوان 2003، على هامش اتفاقية “رامسار” بإيران، من أجل تدارك المهام الإيكولوجية الأساسية للأراضي الرطبة علاوة على باقي المحميات الطبيعية الموزعة على 159 بلدا.
معلم سياحي ومزار للسياح الأجانب بلا منازع
جدّد النائب البرلماني عن ولاية الجزائر، والرئيس السابق لبلدية الرغاية، أعمر درة، موقفه في تصريح لـ” الشروق” بخصوص ملف بحيرة الرغاية حيث أكد أنها تشهد حاليا تدهورا كبيرا، بالرغم من أهميتها السياحية والبيئية، باعتبارها معلما سياحيا ومتنزها للعائلات في حال تم تهيئتها وفتح ظرف ميزانيتها المجمدة منذ سنوات، ومزار للسياح للأجانب، بالرغم من تسجيل برنامج إعادة التهيئة للمشروع سنة 2019، بميزانية معتبرة، ليتوقف المشروع بعد بضعة أشهر، متسائلا في الوقت نفسه عن سبب تدهور البحيرة بيئي، وعن الحقائق والخلفيات التي أدت إلى توقف المشروع بالرغم من استفادته من سيولة مالية ضخمة، مؤكدا برمجته سابقا لسؤال شفوي خصّصه لوزارة الفلاحة والتنمية الريفية سابقا حيث طالب فيه بضرورة رفع التجميد عن ميزانية تهيئة البحيرة، ووادي الرغاية، مؤكدا أن محطة تصفية مياه الصرف الذي تم إنشاؤها منذ سنوات لم تعد قادرة على سعة مياه الصرف الصحي التي تصب من مستنقعات الرغاية التي تصلها من أودية الرغاية، والقصباء، وبرابعة، والأبيار، والحميز، ناهيك عن البيوت القصديرية التي انتشرت داخل المحمية، في انتظار إيجاد حلا لترحيلها.

محمية طبيعية تعاني التقصير والإهمال..
استغرب عضو المجلس البلدي ومنسق الجمعيات ببلدية الرغاية، عبد الرحيم العابد، في تصريح لـ”الشروق”، بالقول ” أيعقل أن بلدية بحجم الرغاية، تغيب عنها فضاءات خضراء للترفيه، رغم امتلاكها لأكبر منطقة رطبة والمتمثلة في بحيرة الرغاية التي تعد محمية طبيعية منذ 20 سنة، وهي حاليا “تحتضر” بسبب غياب كلي للمقاييس الدولية المعمول بها، بالرغم من الميزانية الدولية المخصّصة لحمايتها وتأهيلها من قبل المنظمة العالمية للمناطق الرطبة رامسار، إلى جانب دفع رواتب موظفيها كل نهاية شهر، إلا أنها –يقول المتحدث- تعاني حاليا التقصير والإهمال من قبل الوصاية إلى جانب العامل البشري الذي امتدت فيه يد المواطن إلى تخريبها والصيد العشوائي للطيور النادرة بها، وأكثر من هذا وجود بيوت قصديرية على ضفافها، ما جعلها مصبا لمياه الصرف الصحي والنفايات المنزلية والصلبة التي ترمى من دون مراقبة من طرف بعض السكان، ما سبب تلوّثا كبيرا، بعد أن كان هناك حلم بأن تصبح قطبا سياحيا واقتصاديا لتجعل بيئة مناسبة لرمي النفايات”.
نداءات إستغاثة لحماية البحيرة من التلوث المخيف
وأردف ذات المسؤول، أيعقل أن يتم تهيئة واديي الحراش والحميز، وإقفال ملف وادي الرغاية والذي خصّصت الدولة سنة 2019 مبلغ 400 مليار سنتيم لتهيئته، ثم أغلق الملف -حسبه- بسبب السيولة ، قائلا “نحن نناشد الولاية بالتفاتة إلى بلدية الرغاية البلدية الحدودية التي كانت ميزانيتها في الأمس القريب تناهز 200 مليار، والآن 74 مليار سنتيم، تذهب 54 مليارا للتجهيز، لتبقى 20 مليار سنتيم لا تستطيع البلدية صرفها في مشاريع”.

مسؤولون يعلقون.. العناية بالمحيط مهمة الجميع
وكانت مصالح ولاية الجزائر قد علّقت، أن مسؤوليها سيتابعون الملف باهتمام كبير، مؤكدين أن العناية بالمحيط مهمة الجميع، فلا الولاية، ولا المؤسسات الولائية، أو البلديات بوسعها تحسين الوضع في غياب إسهام المواطن، مؤكدة أن هذا الأمر يعتبر المتغير المفقود إلى غاية الآن في هذه المعادلة.
من جهتها قامت مديرية البيئة لولاية الجزائر بإطلاق دراسة من أجل إعادة تهيئة وحماية بحيرة الرغاية، بعد التدهور الكبير الذي عرفته هذه المحمية الطبيعية ليتم إغلاق أبوابها أمام الزوار الذين كانوا يجدون فيها متنفسا، بعد أن تعرّضت لتلوّث كبير في السنوات الأخيرة بسبب تدفق المياه الصرف الصحي الخاص بالوحدات الصناعية المتواجدة بالمنطقة؛ حيث تتواجد أكثر من 200 وحدة صناعية بالمنطقة، وتلقي نحو 50 منها نفاياتها مباشرة إلى البحيرة.
بحيرة الرغاية نموذج بيئي لبرنامج الجزائر البيضاء
للتذكير تبعد المنطقة الرطبة لبحيرة الرغاية عن وسط العاصمة بـ 30 كيلومترا، وعن ولاية بومرداس بـ 14 كيلومترا وتتربّع المحمية الطبيعية للرغاية التابعة أساسا إلى وزارة الفلاحة على مساحة كبيرة مكّنتها من كسب جمال و تنوع المناظر، ومساحتها تفوق الـ 1500 هكتار، منها 75 هكتار للحوض المائي، وفي حال ارتفاع منسوب المياه في الشتاء يتوسع إلى 150 هكتار، أما المنطقة الرطبة المصنّفة من طرف المنظمة العالمية للمناطق الرطبة طرامسار”، تشمل 842 هكتار والمساحة المتبقية والمقدرة بـ 658 كلها مخصصة للمساحات الخضراء، كمبنى للإدارة وأماكن تربية الطيور بما أنّ المكان عبارة عن مركز صيد بالدرجة الأولى بالنظر إلى أنّها وجهة عدد كبير من الطيور المهاجرة التي تأتي إليها على مدار السنة من مختلف العالم، حيث وجدت الطيور النّادرة ضالتها في هذه المحطة الطبيعية الخلابة.
من جهتها صنّفت بحيرة الرغاية كمحمية طبيعية من طرف المنظمة العالمية للمناطق الرطبة شهرجوان 2003 لأنّها إستوفت وقتها كل الشروط الضرورية التي تسمح لها بأن تكون تحت الغطاء العالمي، خاصة أنها تتصل بصفة مباشرة مع حوض البحر الأبيض المتوسط، ، ولهذا فإنّ هناك تنوّع بيولوجي رائع يمزج بين الكائنات التي تعيش في المياه المالحة والعذبة، خاصة في فصل الشتاء عندما يرتفع منسوب المورد المائي، حيث يكون هناك خلط كبير بين الأسماك التي تنتقّل بين الحوضين، ما يجعل وجود أنواع جديدة عن طريق التكاثر، إضافة إلى تجدد مياه البحيرة بصفة تلقائية رغم وجود مجرى يربط بين المنطقتين يتم فتحه من طرف القائمين على المحمية عند الحاجة.

مخبر يلخّص أهم مكوّنات المحمية الطّبيعية
يعد جزءاً مهمّا من المحمية الطبيعية لأنه عبارة عن مجسّم إصطناعي صغير تمّ إنجازه مباشرة بعد التصنيف، ويتكون من طابقين سفلي خاص بالأطفال ويحتوي على مناظر خضراء، والأحواض الموجودة لتربية المائيات، ومكتبة صغيرة، وبعض الطيور المحنّطة التي عاشت بالبحيرة في السابق، بالإضافة إلى وجود أشغال يدوية قام بها الزوار الذين مرّوا بالمكان المفتوح للجمعيات الرياضية، ودور الحضانة والمدارس.
أما الطابق العلوي فخصّص للكبار على غرار الطلبة الجامعيين ومحضّرين لرسائل الدكتوراه المتخصّصين في مجال دراسة الغابات والطيور للاستفادة من المكتبة الخاصة بالمحمية، والتي تتوفر على كتب عديدة تعكس الواقع الموجود بها، وهناك مدرج لمتابعة أشرطة فيديو، وكل هذه التسهيلات جعلتها وجهة لعدد كبير من الزوار في مختلف المجالات والتخصصات والأعمار.
برنامج تفتيش صارم على الوحدات الصناعية المجاورة للبحيرة
تعرضت هذه المحمية للأسف إلى تلوث كبير بسبب تدفق المياه الملوثة إليها من الوحدات الصناعية المتواجدة بالمنطقة وهو ما جعل ولاية الجزائر توجّه إعذارات للوحدات الصناعية المسؤولة عن تلوث البحيرة، في حين تتعرض هذه الأخيرة حاليا إلى ضغط كبير ناتج عن التوسع الحضري والوحدات الصناعية المنتشرة حولها، حيث فرض على هذه الوحدات إنشاء محطاتها الخاصة لتصفية نفاياتها الصناعية، وفق مسؤولين من الولاية.
من جهتها درست مختلف القطاعات الحكومية من بينها قطاع البيئة، جملة من التدابير المقترحة للحد من تدهور بحيرة الرغاية بالجزائر العاصمة، وتعلقت هذه أخيرة، التي قدمتها وزيرة البيئة والطاقات المتجددة خلال عرضها لمشروع تهيئة بحيرة الرغاية، بتعزيز مراقبة المؤسسات المصنفة للمناطق الصناعية، والتصنيف الفوري للموقع طبقا للقانون رقم 11-02 المتعلق بالمجالات المحمية في إطار التنمية المستدامة، والقضاء على السكنات الهشة المتواجدة داخل المحمية، كما تُعد البحيرة أحد المؤشرات التي تحدّد مدى تدهور الوضعية البيئية في المعمورة. وتساهم – حسب المختصين في هذا المجال- في التوازن البيئي لشمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
وبهذا الخصوص، ذكر مسؤولون بوزارة البيئة، مؤخرا، بأن البحيرة تشكل اليوم المعلم الوحيد المتبقي من سهل متيجة القديمة المليئة بالمستنقعات، والتي تتربع على مساحة تزيد عن 1500 هكتار، وتتميز بتنوع كبير للأوساط الطبيعية،وأشار هؤلاء، إلى أن هذا الموقع قد يفقد جزءا من خصائصه الإيكولوجية ومناظره الطبيعية، مما قد يسفر عن عدم احتفاظه بطبيعته واستدامته البيئية الهامة.
مشاريع ناشئة تحتاج الدعم لحماية البحيرة من خطر النفايات
في سياق آخر، أجمع العديد من أصحاب المشاريع المبتكرة في مجال البيئة , في تصريحات متفرقة لـ”الشروق اونلاين” على التنويه بمختلف التسهيلات الممنوحة من طرف أجهزة الدولة المختصة في مجال تطهير وتنقية النفايات في الأماكن والمرافق السياحية للعائلات سيما العاصمة وذلك بخصوص الاستثمار في الاقتصاد الدائري قصد ترقية وتطوير النظام البيئي للمؤسسات الناشئة, لا سيما من ناحية التأطير والمرافقة.
منصة “مستفيد” لتنظيم عملية جمع ورسكلة النفايات قبل توجيهها نحو مرحلة التدوير
وطالبت العديد من المؤسسات ذاتها والتي تخصصت في مجال التسيير والفرز وفق الطرق الجديدة, والتي تم اعداد من خلال إحداها ممن إلتقتهم “الشروق اونلاين في الصالون الدولي الاخير لاسترجاع وتثمين النفايات بالعاصمة منتصف شهر نوفمبر الماضي للمنصة رقمية مسماة “مستفيد”, دخلت حيز الخدمة فعليا بداية السنة الجارية 2025 , بهدف تنظيم عملية جمع ورسكلة النفايات قبل توجيهها نحو مرحلة التدوير وهذا من خلال الربط بين منتجي النفايات من الأسر والمؤسسات وجامعي النفايات ومراكز الجمع والرسكلة, حسب تأكيد مسؤولة القسم التجاري للمؤسسة صاحبة التطبيق، نزهة بنون، وهذا ما سيتم الاستفادة منه في رفع النفايات الكيميائية التي تتأثر بها بحيرة رغاية يوميا من طرف المصانع وماتم رميه من طرف المواطنين من قاطني القصدير المجاورين لها
من جانبه, عرض مكتب الربط بين المؤسسات والجامعة, التابع لجامعة الجزائر 1, خلال الصالون ذاته، عدة حلول إعتمدت على الابتكار في مجال الرسكلة, على غرار تلك المتعلقة باستعمال طرق بيولوجية تتمثل في زراعة السبيرولينا “طحلب مجهري” لتصفية المياه الملوثة الناجمة عن النشاطات الصناعية والزراعية والمنزلية, ما سيساهم في امتصاص ثاني أكسيد الكربون المسبّب للاحتباس الحراري، وقد يكون هذا استثمار حقيقي لفائدة بحيرة رغاية في حال تم تدعيم المشروع ومرافقته من طرف الدولة، حيث تسمح هذه التقنية بتطهير المياه الملوثة وإعادة استعماله من جديد لفائدة مصانع الكارتون والتي تحتاج الى المياه , حسب ما أوضحته أستاذة الايكولوجيا بجامعة الجزائر 1 المشرفة على المشروع, معامرية عائشة باية لت”الشروق اونلاين” وصاحبة المشروع أحلام بومعزة.