الجامعة العربية ..خذلان دائم!
كنت قد كتبتُ عن الجامعة العربية من قبل، وخلُصتُ إلى نتيجة مفادها أنّ هذه المنظَّمة الإقليمية الدولية الأقدم والأكثر فشلا قد حان وقت إصلاحها بشكل جذري وذلك بأحد خيارين: الأول أن تُغيِّر اسمها فتصبح “جامعة الشّرق الأوسط” ويَنْضمَّ إليها الكيان الصهيوني بعضوية كاملة، ويخرج منها أحرار العرب وأوفياء الأمّة العربية، والخيار الثاني أن تحتفظ باسمها وتشرع في إصلاح آلياتها وبرنامج عملها بشكل كلّي، ثم يُطرَد منها كل من اعترف أو طبَّع أو تعاون مع الكيان الصهيوني.
أمّا أن تبقى اسما عربيا بروح صهيونية فإنّ ذلك لم يعُد أمرا مقبولا، وقد تجد الدول الجادّة فيها نفسها تُموِّل أعداءها من حيث تدري أو لا تدري.
وصلتُ إلى هذه القناعة بعد أن عملت لدى هذه المُنظّمة لمدة تُقارب السبع سنوات سفيرًا لها لدى الإتحاد الأوروبي، وتعلّمتُ أنّ أعقد وأصعب أوجه العمل الدبلوماسي هو ذلك المتعلق بالعلاقات في المجال متعدد الأطراف، لأنّ جمع إرادات الدول وتوافقها على هدف واحد يستدعي جهدا كبيرا، وتنازلات متبادلة، ووضوحا في الهدف، وتوفيرا كُلّيا لكل وسائل تحقيقه، وكل ذلك غائب في سياسات الجامعة العربية رغم التّغني -بمناسبة ومن دون مناسبة- بضرورة تطوير “العمل العربي المشترك” والذي لا تعريف له بين الدول الأعضاء إلى حد الآن؟!
لقد وصل اختلاف العرب إلى الحدِّ الذي لم تعد تربطهم أيُّ قضية مشتركة؛ فالقضيّة الفلسطينية لم تعُد الأولى لدى الجميع، ووصل الأمر إلى توظيف أعداء القضيّة من العرب إلى التآمر على الأعضاء العاملين على إعادة إحيائها وخدمتها.
وأدعو الباحثين والدّارسين والسّاسة إلى القيام بدراسة تقييمية لمواقف وقرارات الجامعة العربية منذ نشأتها إلى اليوم، خاصّة منذ بدء مسار سير قطار التطبيع في نهاية السبعينيات إلى يوم الناس هذا. وسنكتشف أنّ إبادة إخواننا وتخلُّف دولنا لم يكن بقوّة أعدائنا بل بفشل بعضنا وعَمالة بعضنا الآخر.
إنّ الهدف الرئيسي من تسويف، ثم رفض إصلاحات الجامعة وطريقة عملها -و الذي دعت إليه الجزائر باستمرار- قد تكشَّف خلال الثلاثين سنة الماضية، إذ خُدِم الصهاينة ومُكِّن لهم بخذلان عربي يدعو إلى الغثيان. ولكم أن تراجعوا مواقف بعض العرب من حروب الكيان الصهيوني في العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين، ومواقف العرب من نتائج انتخابات الفترة ذاتها في فلسطين، والحصار المميت المضروب على السجن المفتوح (غزّة)، ثم العمل على تجويع سكانها وإبادتهم في محيط عربي مدجّج بالسلاح، متخوم بالثروات، غارق في الملذّات والتآمر، وأخيرا مواقف الجامعة وجلّ أعضائها من “طوفان الأقصى” الذي حرّر كل العالم ما عدا أغلب أعضاء الجامعة العربية.
إنّ المجال يضيق عن تفاصيل محزنة ومخزية لتصرفات بعض ممثلي الدول الأعضاء في الجامعة العربية، بل وحتى بعض ممثلي السلطة الفلسطينية في الأحداث التي عرفتها فلسطين والعالم العربي في العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين والتي جعلت السّردية الصهيونية المبنية على الكذب والتزوير والتزييف أكثر قبولا في العالم من شرعية الدفاع عن الحق الفلسطيني المسلوب والمسروق استعماريا، والمغتال عربيا.
والغرب اليوم هو غرب الأمس، قناعته الاستعمارية والاستدمارية ثابتة لم تتغير، لكن تغيّرت وسائلها وتطورت بتطور معارفها وثرواتها وإحكام سيطرتها على القرار الدولي الاقتصادي والسياسي والإعلامي والعسكري.
كل ذلك يجري والجامعة العربية هي الغائب الأكبر -إذا أُحسِن الظن بها- لكنها في الحقيقة المتآمر المتباكي على القضايا العربية.
لقد تأكّد كل ذلك في قمّة المنامة إذ أصاب العربَ النّعاسُ فغرقوا في بحري التّطبيع والتمييع.