الأئمّة بين الأوطان والسلطان..!
ما حدث من خروج للمصلّين خلال خطبة الجمعة الأخير، بمسجد الاستقلال في قسنطينة، مؤشرٌ خطير على سقوط مرجعيّة الإمام في الجزائر، مثلما شهدت مساجد كثيرة عبر الوطن، حالات تململ وامتعاض بالغ من خُطب الأئمة على المنابر، وذلك بفعل الأخطاء المتكرّرة في استعمال المسجد، الذي يُفترض أنه مؤسسة دينيّة جامعة ومحايدة، كأداة ضمن لعبة التنافس السياسي على السلطة.
هل يُعقل أن يصل الأمر إلى حدّ الاستغلال السياسوي للجوامع، فينصرف روّادها ليؤدّوا الفريضة في الطريق العامّ، ثم نلوم الإمام عن التقصير في أداء المهمة التربويّة للمجتمع، بعدما تمّ تخريب المساجد بالتحزيب الضيّق؟
طبعا هذا لا يعني أنْ يسكت الإمام عن الأخطار الفعليّة إذا أحدقت بالوطن، أو أن يخطب بما يُرضي الجمهور، بل على العكس من ذلك، فإنّ المسؤوليّة الشرعيّة والمهنيّة والأخلاقيّة توجب عليه أن يحسّس المواطنين، ويبثّ الوعي بينهم، بما يحقّق مقاصد الإسلام في حفظ الأرواح والأموال والأعراض، لكن دون السقوط في إلحاق المنابر بالأبواق المتزلّفة للسلطان ولا المحرِّضة عليه، طالما ظلّ الوضع في حدود التنافس على الحكم وتقدير مصلحة الشأن العام.
لقد جنت الجزائر على نفسها قبل 30 عامًا من انفلات المساجد، كردّ فعل طبيعي ضدّ تجييشها منذ الاستقلال للتعبئة الشعبيّة في خدمة الحُكم الأحادي، وللأسف لم تتعلّم من تجربتها الخاطئة، فأرخت الحابل على النابل مرّة أخرى للتيّار المدخلي المشبوه، بحجّة تحرير المنابر من “الإسلام السياسي”، فوقع كثيرٌ منها في قبضة “المداخلة” الذين صاروا اليوم يُفتون فوقها بآرائهم المتنطعة، مُحدثين الفتنة وسط الأمة باسم “نصرة السُّنّة”، وفيما تعتقد الجهات الرسميّة أنّ أمثال هؤلاء يقدمون لها خدمة جليلة في حماية الاستقرار، فهي غافلة عن فكرهم المسموم ومآلاته الخطيرة على الانسجام الاجتماعي، فضلاً عن كونها بخيارها هذا تكرّس تبعيّة المسجد وتوظيفه سياسيّا لصالحها كـ”سلطة زمنيّة”، بتعبير فقهاء السياسة الشرعيّة، فكيف تحتكره لنفسها ثم تمنع التيارات الإيديولوجيّة من استعماله؟
بدل أن يتحرّر المسجد لأداء الرسالة النبيلة في تبليغ الدعوة والإصلاح والإرشاد وتبيان الأحكام الشرعيّة ضمن محدِّدات المرجعيّة الوطنيّة، في كلّ ما تسعه دائرة الاختلاف المحمود، يبدو أنّ ثمّة إصرارا على توظيفه بشكل استغلالي في صورة “لجان مساندة”، حتّى إنّنا سمعنا أحدهم يحتجّ على غياب وزير الشؤون الدينيّة عن العمل يوم الجمعة، ليصبح المسجد بذلك مجرّد “مرفق غير عمومي”، يحشد السند الشعبي للسلطة السياسيّة، على غرار الأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني، بينما الأصل أن يبقى في منأى عن تجاذبات السياسة وتقلّباتها، مستقلاًّ عن كافة الأطراف، بل أن يكون من مراجع التحكيم في المجتمع.
يفترض، حتى في الديمقراطيّات العريقة، فضلا عن بيئات الانتقال السياسي، أن تكون أسلاك الأمن بكلّ أجهزتها والقضاء والمؤسسة الدينيّة، محايدة وخارج أدوات اللعبة، لأنها مؤسساتٌ ضابطة وتحكيميّة تشتغل لصالح الدولة ومصالحها العامّة، بغضّ النظر عن الأشخاص والانتماءات والولاءات، حتّى إنّ دولاً تمنع أفراد الجيش من الاقتراع، حرصًا على حيادهم ونزاهة العملية الانتخابية، في حين وجدنا ببلادنا أئمة يتصدّرون قوائم الترشيحات الحزبيّة، واضعين أنفسهم في مزاد التزكية والرفض، ثمّ يصعدون المنابر باسم الجمعة والجماعة.
لقد آن لهذا الوضع الشاذّ أن يُصحَّح قبل أن يضيع المسجد في مهبِّ المناكفات السياسويّة، فلا دُنيا نجنيها وقتها ولا دينًا نُقيم.