الأردن مراوحة في المكان
شرق نهر الأردن مزيج من قبائل عربية عريقة وملايين اللاجئين من الفلسطينيين الذين عصفت بهم النكبة في منتصف القرن الفائت..إمارة ثم مملكة تقف على ثغر فلسطين الأطول والأكثر حساسية، وبين قوى إقليمية جاذبة من المملكة السعودية، حيث الصراع التاريخي مع الهاشميين والنظامين البعثيين في العراق وسوريا، حيث الأطماع الجغرافية تحت شعارات الوحدة وجديد العراق، وما يعصف به من تحديات..الأردن حلقة الوصل بين دول المشرق العربي كله مصر والسعودية والعراق وفلسطين، وهي الموقع المغري لكل صاحب مشروع بل والركيزة راس الحربة لكل مشروع، وكثيرا ما اصطدمت الأفكار وجنوحها بالواقع، فتكسرت أو تجمدت أو سكنت قليلا تبحث لها عن مكان في خضم التيار ..وهو الحل الاحتياطي لدى صناع المشاريع العدوانية.
الإخوان المسلمون في الأردن حركة قديمة تأسست مطلع نشوء الحركة الإخوانية، ورغم أن المكان لايوحي بالهدوء والسكينة، إلا أن الحركة استطاعت أن توائم بين عدة خطوط في حركتها السياسية اقترابا من النظام، بل ودفاعا عنه في مواجهة تحديات كادت أن تعصف به أمام الشيوعيين والتحريريين “حزب التحرير”، وابتعادا في بعض المواقف السياسية التي تخص الشأن الفلسطيني..وكما كان الملك يلاعب التحديات ويتحرك بلياقة عالية دون الصدام الداخلي ودون التضاد مع دول الطوق، ويحاول جاهدا إقناع مواطنيه بمنطقية تصرفاته، هكذا كان الإخوان المسلمون في الأردن يتصرفون متغلغلين في أوساط الشعب ومفاصل المجتمع.
في الأردن تحديات كبيرة وخطيرة، لعل أبرزها موضوع توطين الفلسطينيين أو بمعنى أوضح الوطن البديل للفلسطينيين، وهنا ندخل على خط المشاريع الأمريكية والصهيونية اليمينية بشأن الوضع الفلسطيني.. من هنا توّلد الخوف لدى صانع القرار الأردني، فاتجه تحت طائلة الخوف إلى إجراءات لايخلو بعضها من قسوة إنسانية كسحب الجنسيات من الفلسطينيين، وإن كان الشأن السياسي يقتضي أن تنزع الجنسيات من كل الفلسطينيين حماية للأردن وحماية للقضية الفلسطينية على أن يستمر التعامل الدافئ والمميز مع الفلسطينيين في شتى مجالات الحياة.
في هذه الأثناء يتظاهر الإسلاميون في الأردن بشكل مستمر، يطالبون بحل الحكومة وبتغيير قانون الانتخابات .. ويتقدم قادة العمل الإسلامي وشخصيات سياسية واجتماعية المتظاهرين منذ أشهر عديدة، ولكن دونما خروج عن قواعد اللعبة.. فالملك لايزال يمتلك الشد والرخي في نوابض أعصاب الحركة السياسية المجتمعية..والإخوان وهم طليعة المعارضة الأردنية لايقتربون من مقام الملك بسوء..
ومع وجود ملفات مغلقة وأخرى مفتوحة أمام الجميع، يظل الحراك السياسي والاجتماعي في الأردن يراوح مكانه، ولا يكون أكثر من تعديلات في المشهد، لاتمس جوهر السياسة المحلية والإقليمية..ولعل الأردنيين جميعا بمن فيهم أولئك المتأردنون من أصل فلسطيني يعرفون خطورة أي انقلاب في الأوضاع الأردنية، ومن سيكون المستفيد، لذا فهم جميعا مع أن يظل الحراك يراوح مكانه.