الأسواق الفلاحية تعاني الفوضى..الإنتاج كبير.. لكن نظام السوق غائب تماما
“فوضوية السوق” هذا الإشكال الكبير المطروح عندنا في الجزائر بحدة في مختلف الميادين، اخترناه موضوعا لهذا العدد من ركن “عين على الفلاحة”، “فوضوية السوق” في المجال الفلاحي باتت اليوم، تشكل عائقا لدرجة هروب المستثمرين والفلاحين إلى ممارسة أنشطة أخرى، مما يستوجب على الوزارة الوصية وهي وزارة التجارة، ضرورة إعادة النظر في المشكل بعمق، لبلوغ احترافية السوق، بهدف حماية المنتج، المستهلك ومنه الاقتصاد الوطني، فكيف يمكن تنظيم السوق؟ أيستوجب مشاركة كل الأطراف المعنية؟ وهل يحل الإشكال فقط عن طريق الحوار وبآليات تنظيمية واضحة وشفافة؟
غياب نظام ضبط التسويق يعرضنا للسرقة والأسواق الموازية أنقذتنا من الكارثة
تحدث السيد “زعيم” عن مشكل التسويق في الجزائر، الذي وصفه بالفوضى الكبيرة لكون المستثمر الفلاحي، ينتج كميات معتبرة من المحاصيل، غير أنه يواجه مشكلا عويصا فور عملية الجني، بمعنى أدق عند بلوغه مرحلة التسويق، وذلك بغض النظر عن جودة المنتج وفترة إنتاجه، بقوله “نحن نفتقر لنظام التسويق، والكل يعاني بالرغم من أن منتجاتنا ذات جودة عالية، إلا أننا نتعرض للسرقة جهارا..”، والمشكل الأعظم يضيف محدثنا، أنه لا توجد متابعة في الأسعار، فـفي فصل الصيف مثلا يقول “نبيع الطماطم والفلفل بـ20 دج، والمتحكم في سوق الجملة يطالبنا بنسبة أرباح تقدر بـ 10%، مقابل إشرافه على عملية بيع منتجنا، فيصرح بأرقام كاذبة ويدعي أنه يبيع السلعة بـ40 دج للكلغ الواحد وذلك غير صحيح، حيث يتعمد تقديم أسعار منخفضة ليفكر في ربح وافر، والفلاح الذي تعب في الإنتاج يتعرض لخسارة كبيرة، لكون تكلفة الفلفل تتطلب بيعه في سوق الجملة بـ50 دج، ليعاد بيعه في سوق التجزئة بـ70 دج، والواقع أن المافيا المتحكمة في سوق الجملة تشتريه بـ20 دج لتبيعه بـ120 دج، يصرحون بأرقام معينة ويبيعون بثلاث مرات أضعافها أو أكثر”. ففي الآونة الأخيرة يتابع السيد “زعيم”: “السوق الموازية هي التي أنقذت وحمت السوق والمستهلك معا، لكون أسواق الجملة تتحكم فيها مافيا شعارها المنافسة الملكيةconcurrence royale يشتري 20 صندوقا، ويقول لك أن 5 صناديق تم بيعها بـ70 دج للكيلوغرام الواحد و10 بـ50 دج، والباقي تم بيعه بسعر 20 دج، غير أنه في الواقع باع كل الصناديق بـ70 دج أو أكثر، فالوسيط هو المستفيد الأكبر بسهولة، والفلاح ينفر والمستهلك يعاني”.
خسائر جسيمة تنجر عن المشكلة أخطرها هروب الفلاح إلى ممارسة الأنشطة التجارية بدل الإنتاج
أعرب السيد “زعيم” عن شديد أسفه جراء النتائج الوخيمة التي تحملها فوضوية السوق ببلادنا، من حيث أنها تجعل المستثمر ينفر من الإنتاج، ويتوجه نحو ممارسة أنشطة تجارية سهلة وسريعة الربح، كاستيراد بعض المواد المربحة وغير المكلفة في آن واحد، ومنه ارتفاع نسبة الواردات، وهذا ما وصفه المتحدث بالخطر على الاقتصاد الوطني، بقوله: “هذا ما دفع الجزائر لكي تستورد 60 مليار دولار، بعد ما كنا نطعم أوروبا بأسرها أثناء الحقبة الاستعمارية، حيث كان يوجد نظام افتقدناه اليوم، وهذا خطر كبير يتربص بالاقتصاد الوطني”.
ليؤكد بعدها على أن حجم الخسائر كبير يتكبده المنتج والاقتصاد الوطني معا، غير أنه أرجع الخسارة العظمى جراء فوضوية السوق إلى هروب الفلاح عن الإنتاج، والتفكير في ممارسة نشاطات تجارية أخرى قائلا: “تعبنا كثيرا.. ومثل هذه الأمور تعيق المستثمرين والفلاحين وتجعلهم يقررون التوقف عن النشاط الفلاحي”.
كيف نقضي على فوضوية السوق؟
*تنظيم السوق
حمّل السيد “زعيم” مسؤولية فوضوية السوق إلى وزارة التجارة، بسبب افتقادها لإطارات منضبطة تسهر على حسن تنظيم أسواق الجملة، فمن غير المنطقي بتاتا يضيف ضيفنا، أن يباع منتج بـ70 دج ثم بـ20 دج في ظرف ساعات معينة من اليوم نفسه، ومن غير المعقول أن لا تسمع الجهات الرسمية بمستثمر كبير، وتحسب ألف حساب لبائع خمسة صناديق، فحان الوقت يتابع السيد “زعيم” لأن يسود النظام، الذي لا يكون إلا بالتنسيق بين وزارتي الفلاحة والتجارة والمستثمر الفلاحي، والقيام بدراسات مسبقة لتحديد نسبة الفوائد والأرباح.
*تقديم اعتمادات للمهنيين
أصبحت اليوم مسألة ضرورية وفق تصريحات ذات المتكلم، تقديم اعتمادات للمستثمرين الكبار لبيع سلعهم بأنفسهم والتحكم في سوق الجملة من جهة أخرى، وهذا من شأنه خلق مناصب شغل لأناس أهل ثقة، حتى يحمي المستثمر منتجه ويحمي المستهلك ويضبط السوق.
*خلق أسواق الجملة وتنظيمها
إقامة أسواق كبرى في الولايات الداخلية ويقصد بها السيد “زعيم” أسواق الجملة، التي باتت أكثر من ضرورة مستعجلة، للحد من نزيف الفوضى، فخلق أسواق الجملة وتنظيمها، هو الهدف الذي يجب أن نصل إلى تحقيقه في الجزائر، لهذا الغرض يكشف المستثمر الفلاحي “زعيم” أنه سيتقدم بطلب فوري للحصول على مساحة كبرى في ولاية عنابة –مقر شركاته- لإقامة سوق مثل ما هو الحال في باريس، تكون قريبة من منطقة البسباس ـــمنطقة استثماراته الفلاحيةـــ لتمويل الأسواق المجاورة، مؤكدا على وجوب حل قريب لتنظيم السوق بإقامة مثلا سوق جملة في كل ولاية أو خارج المدن الكبرى لتغطية المناطق المجاورة، مستدلا بغياب أسواق الجملة بمنطقة الشرق الجزائري في كل من قالمة، سكيكدة، باتنة، قسنطينة.
*تحديد الأسعار
يجب القيام بدراسات مسبقة من قبل وزارة التجارة لتحديد الأسعار بدقة، كأن يتم تحديد سعر الفلفل مثلا في سوق التجزئة بـ70 دج لا يزيد ولا يقل بسنتيم واحد، بمعنى يبقى السعر ثابتا، وسعر الطماطم مثلا بـ50 دج، والعنب بـ100 دج مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار مسألتي النوعية وموسم الإنتاج مثلا يوجد عنب بـ50 دج و بسعر 400 دج وفق النوعية ونسبة الإنتاج، مثل ما هو الحال في أوروبا، فعندما نذهب إلى هناك يعرض علينا عقود تتضمن أسعارا محددة مبنية وفق دراسات مسبقة.
