الأعمدة الثلاثة لبناء تنمية مستدامة
يكاد الاستحقاق الانتخابي الأخير قبل موعد رئاسيات 2019 ينتهي دون أن تفاجئنا نخب الموالاة والمعارضة بحلول بديلة، ليس فقط لتجاوز الضائقة المالية المؤقتة، واعتماد البلد المفرط على ريع المحروقات، ولكن للدخول بقدر من الثقة، ومن موقع قوة، في التقسيم العالمي للعمل وللحصص من الأسواق، وتحديدا المشاركة في آخر سوق مفتوحة للجميع في القارة السمراء، ولا نعرف حتى الآن محتوى وآفاق ما سمي بـ”الاقتصاد الجديد” الذي تبنته الحكومة حتى 2030 في عجالة وتحت ضغط الأزمة.
بعد عشر سنوات على الأكثر سوف نضطر إلى مراجعة خيارات ما سُمي بـ”الاقتصاد الجديد” الذي صاغه بعض التكنوقراط داخل مكاتب مكيفة، دون استشارة أو دراسة لمقدرات البلاد الحقيقية، ومراعاة للحصة المفتوحة من التقسيم العالمي العمل، وسف نضطرُّ وقتها إلى البحث مجددا عن نموذج إنمائي بديل، بعد أن نكون قد أضعنا فرصة صناعة توافق وطني واسع حول مشروع إنمائي طويل النفس، يحوِّل مقدرات البلاد الكثيرة إلى مصادر متجددة للثروة، أيا كانت التغييرات التي ستحدث في الاقتصاد العالمي، وكيفما كانت الطفرات التكنولوجية.
لقد تعلمنا من التاريخ البشري، أن المجتمعات تستطيع الاستغناء عن كثير من السلع والخدمات وما يدخل تحت عنوان متاع الحياة الدنيا، باستثناء موارد ثلاثة: الطاقة، والمياه، والغذاء، وما كان لبلدٍ مثل الولايات المتحدة أن يتحول إلى عملاق صناعي لولا التراكم الذي أنتِج في الفلاحة، ورأينا بلدا صغيرا مثل هولندا يفتكُّ الأرض من البحر وينمِّي واحدا من أفضل الأنظمة الزراعية في أوروبا.
وعلى مستوى الطاقة، فلا مستقبل لأي بديل للمحروقات خارج الطاقات المتجددة وعلى رأسها الطاقة الشمسية، في أجل منظور قد لا تجاوز ثلاثة إلى خمسة عقود، وقد تطورت تكنولوجياتُها بوتيرة سريعة، قرَّبت سعر الطاقة الشمسية من أسعار الطاقة الأحفورية، ورأينا بلدانا مثل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا تنتج اليوم أكثر من ثُلث احتياجاتها من الطاقة الشمسية.
من هذه الخيرات الثلاثة: الطاقة والزراعة والمياه، لك أن تعلم أن أكثر من 90 % من مساحة الجزائر تمتلك أعلى معدلات الإشعاع في العالم لأكثر من 3600 ساعة في السنة، يكفي استغلال أثنين إلى 4 % منها لتغطية حاجات العالم من الطاقة المقدرة سنة 2012 بـ136 ألف تيراواط في الساعة. كما تقدَّر مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في الجزائر بقرابة 40 مليون هكتار، منها ثلاثة أرباع صالحة للزراعة أربعة فصول متى توفر الماء، وتختزن الصحراء الكبرى أكبر مخزون للمياه الجوفية في العالم قدر بـ50 ألف مليار متر مكعب أو ما يعادل 50 ألف مرَّة سد بني هارون، قد نلجأ إليه مؤقتا قبل تنمية منظومة صناعية واسعة لتحلية المياه بطاقةٍ شمسية رخيصة.
صاحب القرار لا يملك أن يتجاهل هذه الحقائق، وهو يعلم أن بين يديه مقدرات حقيقية هائلة لصياغة مشروع تنموي طويل النفس، منتج لثروات غير قابلة للكساد، قادرة على اكتساح الأسواق الإفريقية والأوروبية بلا منافس يُذكر، مع عدد كبير من الصناعات والخدمات المرافِقة للقطاعات الثلاثة من المنبع إلى المصب، هي التي ستمكِّن البلد، ليس فقط من تنويع اقتصاده على المدى البعيد، بل وتوفر للأجيال القادمة فضاءً بلا حدود لإنتاج ثروة مستدامة لا تنضب، وتتيح للجيل الحالي فرصة قيادة ثورة التنمية المثمرة المؤجلة لثورة التحرير.