“الأفلان” هل هو قدر محتوم؟
الداعون إلى التغيير، سواء الذين تظاهروا وأعلنوا رفضهم ترشح الرئيس لعهدة خامسة، أو كاظمي غيظهم في بيوتهم بالسرّ والكتمان، أو السابحين في الفضاء الأزرق الافتراضي بعيدا عن “بشاعة” الواقع، اتفقوا على أن يبدأ التغيير من الحزب العتيد، الذي قدّم في العقدين الأخيرين، وربما عبر عقوده بعد الاستقلال نماذج من “المناضلين”، كرّهوا الناس في السياسة وأفقدوهم “شهية” الحياة، والأمر لم يقتصر على المكتب السياسي في المركزية بالعاصمة، الذي امتاز بعبقرية نادرة في اختيار بعض الرجال من الذين قدّموا للمواطنين خلطات من الضجر وثقل الدم، لا يمكن أن تجدها لدى أناس آخرين، وإنما أيضا في مكاتب الجزائر العميقة، حيث فاحت كلمات جديدة في قاموس الجزائريين مثل “الشكارة” و”الحقرة” و”الشيتة” و”الانتهازية”، من أروقة هذا الحزب الذي خطفه بعض الذين ابتعدوا عن الشعب وعملوا لمصالحهم الخاصة، وكانت النتيجة ما وصلت إليه الجماعات المحلية من انهيار، مع سبق الإصرار والترصد، والتشبث بالبقاء إلى أن يرث الله الأرض بمن عليها.
منذ رحيل عبد الحميد مهري وحزب جبهة التحرير الوطني يبحث عن رجل يتقن الحديث مع الناس، ولا نقول العمل للصالح العام، ففي أول اختبار ديمقراطي وحرّ أمام حزب إسلامي جديد، سقط حزب السلطة والإمكانيات المادية والمقرات المغروسة في كل الولايات بالضربة القاضية، وأهل الحزب المحلّ أنفسهم يعلمون بأن الناس ما اختاروهم لبرامج قدّموها ولا لرجالات اقترحوها، وإنما لأنهم ملّوا من ممارسات بعض رجالات هذا الحزب المسمى بالعتيد، ولو وقف هذا الحزب في صراع ديمقراطي حرّ أمام جمعيات صغيرة بلا تاريخ ولا اسم، ما حقق أي صوت، بدليل الأرقام المجهرية التي صارت تسجلها نسب الاقتراع في الجزائر، بسبب تواجد هذا الحزب في الحياة السياسية مثل القدر المحتوم.
لا يمكن لرسالة السائرين في الشوارع وفي الجامعات وغالبيتهم من الشباب أن تصل لرجال الحزب العتيد وأصغرهم طرق باب الثمانين حولا “ولا أبا لك يسأم” من المقاعد، ولا يمكن لرجال الحزب العتيد وبعضهم يؤمن بأن الجزائر أحسن من السويد، أن يسعوا للتغيير كما يدعو غالبية الجزائريين، وأن يفكرّ بعمق عن السبب الحقيقي الذي جعل الشباب يذكر هذا الحزب بسوء، من دون أن يزعم “الحسد والأيادي الخارجية”، فقد حان الوقت لأن يراجع هذا الحزب حساباته، ويضع نقطة نهاية لبعض خطاباته التي أكل الدهر عليها وشرب وقذف بفضلاته، ويغيّر فريقه بالكامل، أو يُكرم اسم الحزب بمتحف الخلود رفقة رموز البلاد.
عندما يقرأ الجزائريون تاريخ إنشاء جيش التحرير ومجموعة الاثنين والعشرين، ويعرف بأن أكبرهم سنا كان دون الثلاثين، ويتابع لقاء حزبيا في جبهة التحرير الحالية سواء في المركزية او في قواعده الخلفية، ويرى بأن أصغرهم سنا فاق الثمانين، يدرك بأن ما يجمع بين جبهة خمسينات القرن الماضي وجبهة زمن الأزمة، هو الاسم فقط… فقط!