-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
عام‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭.. ‬ماذا‭ ‬تغير؟

الأقباط‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬تحت‭ ‬شمس‭ ‬الثورة‭ ‬

الشروق أونلاين
  • 3242
  • 0
الأقباط‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬تحت‭ ‬شمس‭ ‬الثورة‭ ‬
ح.م

لا تلحظ وأنت تجول في مصر وجود حساسية اجتماعية أو ثقافية بين المسلمين والأقباط، فالمجتمع هنا ورث من قرون قدرا كبيرا من الاحترام المتبادل والتسامح والعيش المشترك والقبول بالآخر، وخلال الأيام الأولى للثورة أذاب ميدان التحرير وساحات التظاهر الأخرى كل الفوارق الدينية وجمعت مطالب التغيير وإسقاط النظام المسلمين والأقباط جنبا إلى جنب، غير أن هذا لا يخفي حقيقة أخرى هي أن حالة اللاإستقرار والخوف من المستقبل والمواقف الشاذة لبعض المتطرفين قد تدفع بعض أبناء هذه الطائفة أو تلك إلى الانكفاء على نفسها بدلاً من الانفتاح على الطوائف الأخرى، ويمنح ذلك للمؤسسات الدينية دورا سياسيا أكبر على حساب الدور التقليدي للأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، ومن السلوكات الشاذة تنظيم بعض المتطرفين المحسوبين على التيار السلفي مظاهرات في محافظة قنا لرفض تعيين محافظ مسيحي، بدعوى أن الشرع لا‭ ‬يبيح‭ ‬حكم‭ ‬المسيحيين‭ ‬للمسلمين،‭ ‬أو‭ ‬إفتاء‭ ‬بعضهم‭ ‬بتحريم‭ ‬تهنئة‭ ‬الأقباط‭ ‬في‭ ‬أعياد‭ ‬الميلاد‭.‬

بالرغم من أن الكنيسة القبطية تصنف بأنها كنيسة وطنية؛ بمعنى أن اختصاصها الجغرافي محصور في مصر، غير أنها أصبحت الآن تشرف وتراقب المئات من الكنائس القبطية لمئات الآلاف من الأقباط المصريين الذين هاجروا على مراحل متتابعة إلى دول غربية وعربية عديدة، ففي أمريكا لوحدها تتحدث الإحصاءات عن نحو نصف مليون قبطي مصري مقيم فيها، والبابا شنودة الثالث، رأس الكنيسة القبطية الحالي منذ سنة 1971، هو البابا السابع عشر بعد المئة، ويشكل أعلى سلطة روحية وإدارية في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
 
شكاوى‭ ‬الأقباط‭ ‬واتهامات‭ ‬الغرب‭ ‬
وكثيرا ما اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية وحكومات وهيئات غربية أخرى، الحكومة المصرية، بانتهاك الحريات الدينية والتضييق على الأقباط باعتبارهم أقلية دينية في مصر، وحملت هذه الاتهامات عدة عناصر أساسية، أبرزها قضية بناء الكنائس في مصر، التي يخضعها القانون ساري المفعول إلى عدة شروط إدارية وموافقة أمنية، ويقول الأقباط إن ذلك يجعل بناء الكنائس أو توسيعها أمرا صعبا. وتقول الحكومة إن ذلك أسهل من الشروط المعتمدة لبناء المساجد. وإلى غاية سنة 2005 كان بناء الكنائس وترميمها يحتاج إلى مرسوم رئاسي، ثم نقلت هذه الصلاحية إلى‭ ‬المحافظين‭ ‬‮(‬الولاة‮).‬‭ ‬وتقول‭ ‬الحكومة‭ ‬إن‭ ‬ربطها‭ ‬سابقا‭ ‬بمرسوم‭ ‬رئاسي‭ ‬كان‭ ‬يعطيها‭ ‬قوة‭ ‬نفاذ‭ ‬قانونية‭ ‬كبيرة‮.‬‭ ‬
ومباشرة بعد الثورة تجدد النقاش حول الموضوع وكان سببا في صدامات وأعمال عنف طائفية ذهب ضحيتها العديد من الأقباط والمسلمين، وردت الحكومة بطرح مشروع قانون موحد لبناء دور العبادة، يشمل المساجد والكنائس على حد سواء.
وخلال السنوات الأخيرة كثيرا ما تفجر الجدل حول مسألة التحوّل من دين إلى دين، خاصة حالة تحول بعض الفتيات القبطيات نحو الإسلام، وهي حالات يقول الطرف الإسلامي إنهن اعتنقن الإسلام برغبة وقناعة شخصية، وينفي الطرف القبطي ذلك متحدثا عن حالات خطف وإكراه للفتيات القبطيات‭ ‬على‭ ‬اعتناق‭ ‬الإسلام،‭ ‬وهي‭ ‬اتهامات‭ ‬يصعب‭ ‬تصديقها،‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬انتهى‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬بموافقة‭ ‬السلطات‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تسليم‮ ‬الفتيات‭ ‬إلى‭ ‬البابا‭.‬
 
جدل‭ ‬حول‭ ‬العدد‭ ‬والتمثيل‭ ‬
من الصعب إعطاء رقم دقيق عن عدد الأقباط في مصر، فالحكومة لا تجري إحصاءات سكانية رسمية تقدم نسبا عن الطوائف الدينية، إلا أن آخر أرقام حكومية رسمية معروفة تعود إلى سنة 1986 قدرت وقتها عدد الأقباط بحوالي 3 ملايين ونصف مليون شخص يشكلون ما نسبته 6٪ من مجموع 60 مليون مصري في ذلك الوقت. وردا على تلك الأرقام قدر إحصاء آخر قامت به الكنيسة القبطية حينها عدد الأقباط بأربعة أضعاف الرقم الذي قدمته الحكومة، لكن الأرقام الأكثر قبولا لدى الاكاديميين تقدر نسبة عدد أقباط مصر اليوم بنحو 10 إلى 11 مليون شخص، ربما أقل أو أكثر قليلا، من مجموع حوالي 87 مليون مصري، وهو رقم يماثل نسبة ما بين 11 إلى 13 بالمائة من المصريين، ويتناسب ذلك إلى حد كبير مع نتائج الانتخابات المصرية الأخيرة باحتساب عدد الأصوات التي تحصلت عليها التيارات والمرشحون الذين شكل الأقباط القسم الأكبر من ناخبيهم.
 
ملفات‭ ‬جديدة‭ ‬وأخرى‭ ‬تعود‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‮ ‬
تتحدث الكثير من النخب السياسية والإعلامية عن تورط النظام السابق في توظيف الطائفية والاستقطاب الديني بين المسلمين والأقباط لصالحه حتى يبقى هو الحكم الفصل. ويستشهدون على ذلك بما ذهبت إليه العديد من التقارير نشرت بعد الثورة وجهت اتهامات لازال لم يؤكدها القضاء‭ ‬رسميا‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬وزراء‭ ‬داخلية‭ ‬مبارك،‭ ‬حبيب‭ ‬العدلي،‭ ‬بالتورط‭ ‬في‭ ‬تفجير‭ ‬كنيسة‭ ‬القديسين‭ ‬في‭ ‬الإسكندرية،‭ ‬ثم‭ ‬تحميل‭ ‬مسؤولية‭ ‬الحادث‭ ‬لمتشددين‭ ‬مسلمين‮.‬‭ ‬
وعندما طرح مشروع الإعلان الدستوري للاستفتاء الشعبي، الصيف الماضي، لم تبرز إلا بعض الأصوات القليلة والخافتة من الأقباط تدعو إلى إسقاط المادة التي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة، إلا أن أهم المرجعيات والرموز القبطية المعروفة، دينية كانت أو سياسية، لم تعارض‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬ذات‭ ‬المادة‭ ‬الدستورية،‮ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تحدد‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬1971‭ ‬دين‭ ‬الدولة‭ ‬الرسمي‭. ‬
طوال عام من الثورة عمل المجلس العسكري والحكومة على تأجيل كل الملفات التي من شأنها أن تؤزم علاقة الدولة مع الكنيسة، ولذلك خضع بعد تردد لمطالب الكنيسة القبطية التي قاومت بشدة إخضاع أموال وممتلكات الكنيسة لرقابة الدولة ممثلة في الجهاز المركزي للمحاسبات، وإعطاء الحق لوزارة التضامن الاجتماعي لتعيين مجلس إدارتها، وإخضاع الأديرة لسيطرة الأوقاف، أسوة بالمساجد والجمعيات والمؤسسات الدينية الأخرى، كما كان مقترحا في نص مشروع قانون دور العبادة الموحد الذي سعت أولى حكومات ما بعد الثورة إلى إصداره، وأعلن البابا شنودة، كما‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬دائما،‭ ‬رفضه‭ ‬القاطع‭ ‬إخضاع‭ ‬الكنيسة‭ ‬لأي‭ ‬رقابة‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬إدارية‭ ‬بدعوى‭ ‬استقلالها‮.‬‭ ‬
والواقع أن أموال الكنيسة القبطية كانت دائما مادة للجدل في مصر، وقبل فترة أوقفت الكنيسة أحد القساوسة يدعى إبراهيم عبد السيد، لأنه نشر كتابا عن »أموال الكنيسة القبطية«، وذكر فيه أن مصادرها متعددة ومنها ما يعرف بضريبة العشور وتبرعات الأقباط، وأموالا يقال إنها كبيرة يتبرع بها أقباط المهجر. وممتلكات الكنيسة لا تقتصر على دور العبادة، وتشمل أيضا عقارات مبنية عديدة التي تؤجرها الكنائس والأراضي الزراعية ومئات المستشفيات والمدارس، وأيضا استثمارات اقتصادية عديدة يديرها في الغالب نيابة عنها رجال أعمال أقباط.
ويتهم بعض الأقباط الحكومة المصرية بالتمييز ضدهم ويقدمون أرقاما تعكس، بحسبهم، وجودا محدودا لأبنائهم في الوظائف السامية في الدولة، كضباط الجيش ومديري الجامعات والكليات الكبرى والمديرين المركزيين في الوزارات السيادية. وفي أول برلمان للثورة، لم يزد عدد النواب الأقباط بكثير عن الدورة السابقة في مجلس الشعب المصري تحت مظلة الحزب الوطني المحل سنة 2010، وبلغ عدد النواب الأقباط المنتخبين نحو عشرة ثم ارتفع بعد تعيين أربعة إضافيين من المجلس الأعلى للقوات المسلحة وهو ما تبلغ نسبته 2٪ من النواب فقط.
 لكن الواقع أن رموزا كبيرة من الأقباط برزت بشكل ملحوظ في المجالات الاقتصادية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني، وحتى في الدبلوماسية المصرية. وتؤكد تقارير عديدة، لا يمكن الجزم بصحتها، أن الأقباط يسيطرون على 40٪ من الاقتصاد المصري، لكن أصحاب المراتب الثلاثة الأولى‭ ‬بين‭ ‬المصريين‭ ‬الأكثر‭ ‬ثراء،‭ ‬هم‭ ‬فعلا‭ ‬أقباط‭.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!