-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الأكراد بين الظلم والضلال

صالح عوض
  • 3408
  • 0
الأكراد بين الظلم والضلال

كان الرئيس الراحل هواري بومدين ينطق بضمير الأمة كلها عندما واجه الرئيس الأمريكي نيكسون سنة 1974 والذي كانت إدارته تحاول تكريس دولة كردية في شمال العراق: “نحن العرب نرى أنه يبدو أن الولايات المتحدة لم تكتف بـ(إسرائيل) واحدة فنراها تعمل على تأسيس (إسرائيل) ثانية في شمال العراق”..

ان الموضوع كله يصطف على المستوى الاستراتيجي كأحد المهمات الأساسية الموكلة للكيان الصهيوني في المنطقة.. فمنذ الحرب العالمية الأولى تبنت القوى الاستعمارية مشروع التفسيخ في المنطقة العربية والاسلامية وجهزت لذلك الأدوات الملائمة والسياسات الضرورية، فكان الكيان الصهيوني الأداة المركزية في المشروع الهجومي بالإضافة إلى شركات اقتصادية وعسكرية وبيادق محلية من الأنظمة والأحزاب والثقافات والاختراقات بشتى اشكالها.. وجاءت الموجة الأخيرة في مشروع القرن بالهجوم على المنطقة تحت شعارات طائفية وديمقراطية لتمزيق العراق وبلاد الشام وقد تمكنوا إلى هذه الساعة من تدمير بلدين عربيين بشكل واسع ولازالت الحرب لم تضع أوزارها.

الآن وقبل ان تنتهي الحرب في العراق وبلاد الشام، يتم التحرك لإحداث إرباك استراتيجي خطير وسيكون أشد إيلاما من التحريكات السابقة.. انها الحروب العرقية.. وليس سرا ان كل بلد من بلاد العرب والمسلمين كما كل بلاد العالم تحتوي إثنيات عرقية ومذهبية وهذا كان احد مصادر الثراء الثقافي في بلاد المسلمين، الا انه في ظل ضعف الدولة المركزية وعبثية رؤيتها الحضارية وعدم قدرتها على تقديم اجابات منطقية ومقنعة لكل مكونها العرقي والثقافي، تقدم الغرب في هذه الشروخ ملتقطا ضعاف النفوس ومشوِّهي الثقافة ليشكل منهم أنوية التمحور حول مطالب عرقية وأوكلت المهمة للكيان الصهيوني الذي أشرف ضباطه بشكل واسع على تشكيل جيش مصطفى البرزاني الذي قاتل الدولة العراقية سنين كثيرة بتحالفه مع شاه ايران وذلك حتى وضعت الجزائر حدا لتلك الحرب المخرِّبة عندما تمكن المرحوم بومدين من عقد صلح بين ايران والعراق في 1975 تخلى الشاه بموجبه عن دعم الأكراد فأحبط مشروعهم مؤقتا.

الآن وبعد ان تمكن العراقيون من وضع حد لحالة الفلتان الأمني الذي أرادت منه امريكا تكريس حالة الانقسام بين السُّنة والشيعة في العراق وقد سعت في ذلك بدأب وبدأ التعامل الأمريكي يرسم ثلاثة أقاليم في العراق شيعي وسني وكردي.. ولكن العراقيين افشلوا إلى حد كبير الانقسام الطائفي بعد ان ادرك السنة والشيعة انه لا عراق بدون كل أهله.. هنا تقدمت المؤامرة لدفع العراق في حرب عِرقية ستكون بلا شك اقسى واعنف من الحرب ضد داعش، وستكون تبعاتها كارثية، لأنها ستكرس التجزئة بالدم والنار بين العراق واقليم كردستان.

الأكراد في العراق هم الأقل عددا في الإقليم عند مقارنتهم بأكراد إيران وتركيا، ومن هنا يأتي الموقف الإيراني والتركي الداعم لوحدة الدولة العراقية والتصدي لمحاولة إقامة دولة كردية ستكون نواة لدولة كردية كبيرة في المنطقة.. وهنا يقف الضلال السياسي للساسة الأكراد الذين يقودون أهلهم لمذبحة كبرى سيتخلى عنهم بلا شك كثيرٌ من حلفائهم ولن تفيدهم قوة اسرائيل، بل ستكون وبالا عليهم.

ان ما يعانيه الأكراد في الأقاليم كلها فيه كثيرٌ من التهميش والظلم في احيان كثيرة، ولكن ليس هذا هو دافع التحركات السياسية وهو شبيه بما يعانيه إخوانهم في المنطقة كلها.. وهذا ينبغي ان يدفعهم إلى الانخراط في بلدانهم يدافعون عن المشترَك الكبير نحو نهضة حقيقية ينعم بها الجميع على شاكلة الدول الحديثة اليوم.. دون ذلك لن يكون أمامهم إلا مزيدٌ من الدم والتهجير لأهلهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!