-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الأمريكان والغربيون.. بين الاعتراف بالخطأ والإصرار على الجريمة

صالح عوض
  • 5818
  • 0
الأمريكان والغربيون.. بين الاعتراف بالخطأ والإصرار على الجريمة
الأرشيف

في موسم الاعترافات المتتالية من قادة الغرب بأخطائهم في بلداننا يتجلى نفاقُ الغرب واستمراره في غيِّه.. خطب الرئيس الأمريكي قائلا: “لقد كان غزوُ العراق خطأ فادحا”، وعقب في مواضع كثيرة أن إسقاط الدولة العراقية وحلّ الجيش العراقي كان خطأ استراتيجيا.. والكلام نفسه تردَّد في مواقع القرار في أكثر من عاصمة أوروبية، وبعد الغزو تبيَّن بالدليل والتحري أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل وأن كذبة بلير رئيس الوزراء البريطاني هي تمريره من قبل جورج بوش الابن للتمهيد لاحتلال العراق.. وتبيَّن للجميع أن الرئيس العراقي صدام حسين لم يكن ليأوي الجماعات المُصنَّفة إرهابية.

قبل أشهر معدودة، كررت الإدارة الأمريكية القول إن غزو ليبيا كان خطأ وغير مبرر، وأن الفرنسيين والانجليز هم من ضللوا الولايات المتحدة بالأمر.. وقبل أيام قليلة أصدر الانجليز تقييمهم في البرلمان بأن غزو ليبيا كان خطأ استراتيجيا.

وفي هذه الأيام تبدي الإدارة الأمريكية تراجعاتٍ واضحة في رؤيتها للأزمة السورية؛ فلم تعُد إزالة النظام مطلبا أمريكيا ولا حتى إزاحة الرئيس السوري، وان العمل العسكري ليس مجديا، بل مضرا بمهمة إنهاء الأزمة، والتفتت الإدارة الأمريكية مؤخرا إلى ضرورة التصدي للإرهابيين في سوريا من نوع “النصرة” و”داعش” و”جيش الإسلام” وسواها من مجموعات القتل، وهؤلاء يمثلون الحجم الأكبر من المسلحين في سوريا.. والموقف نفسه يتردد في العواصم الأوروبية، الأمر الذي ينتهي الآن بوقائع تفسح الطريق لاستعادة الدولة عافيتها.

وبعد حصار لإيران استمرّ عشرات السنين كلف الناس من قوتهم وصحّتهم ورقيِّ مجتمعهم الشيء الكثير وحرمهم من حقوقهم في السفر وتحويل الأموال واستيراد ابسط المنتوجات.. بعد هذا كله تكتشف الإدارة الأمريكية أن ذلك كان خطأ في التقديرات وأنه ما كان ينبغي محاصرة ملايين البشر والتحريض عليهم بالحرب والقتال لمجرد الاختلاف في التوجهات.. ويبدي الأمريكان الآن طُرقا أخرى في التعامل.

يمكن سردُ عديد الأزمات التي صنعتها الإدارة الأمريكية مسنودة بموقف أوروبي قتلت ملايين العرب والمسلمين ويتمت الملايين وأثكلت الملايين وشردت الملايين حتى أصبحت بلاد الشام والعراق بلادا منكوبة وكأن زلزال الموت اجتاحها وجاس خلال ديارها.. وبعد أن ضربت مجتمعاتنا ضرباتٍ قاسية أرادت من خلال عملية ممنهجة أن تعيد تشكيل منطقتنا نفسيا وجغرافيا وسياسيا ودينيا بعد ان صنعوا في مختبراتهم دينا جديدا جعلوه راية للشواذ والمرضى نفسيا ودفعوا بهم إلى إحداث المذبحة في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي.

قبل ان يتواصل حديثنا، يجب التنبيه إلى أننا لم ننته إلى نتيجة بأن الأمريكان والأوروبيين يعلنون توبة، بل إنهم يعلنون خسارة، وفرق بين المفهومين.. إنهم ضمن حساباتهم يعتقدون انه كان يمكن تحقيق أهداف إستراتيجية بربح اكبر دون تلك الأعمال العنيفة التي ألحقت أذى بمجتمعاتهم.

النيّات الشريرة في إدارات الغرب وأمريكا مازالت قائمة وبطريقة تكشف عن خبث متوالد ومتكاثر بطريقة سرطانية.. فما نسمعه الآن من صدور قوانين من الكونجرس الأمريكي بملاحقة السعوديين الرسميين والشعبيين عن أحداث سبتمبر بإسقاط البرجين.. ولم يستطع الرئيس الأمريكي حتى اللحظة ثنيَ المشرِّعين الأمريكان عن ذلك، وهذا يستوجب أشياء عديدة جديدة في التعامل مع السعودية وتصرفات غربية من كل اتجاه ضد المملكة، بدءا بملاحقات قضائية لأشخاص، إلى ملاحقات اقتصادية وأمنية وسياسية للدولة.. وهنا يُظهر كثير من المتابعين والمحللين السياسيين ان جملة ما هو مقترح للتعويضات على ضحايا وخسائر الأحداث يزيد عن 3300 مليار دولار.. وهذا الرقم المذهل يزيد عن حجم الودائع السعودية في البنوك الأمريكية بأربع مرات ونصف ويدخل فيه تكلفة الحرب على العراق وأفغانستان، لأنها ردة فعل على أحداث 11 سبتمبر 2001 ولم يخطط لها الأمريكان.. وهذا يعني تبييتا خطيرا بالشرّ يلحق بالمملكة، وبالتبعية بكل دول الخليج.

يجب التنبيه إلى أننا لم ننته إلى نتيجة بأن الأمريكان والأوروبيين يعلنون توبة، بل إنهم يعلنون خسارة، وفرق بين المفهومين.. إنهم ضمن حساباتهم يعتقدون انه كان يمكن تحقيق أهداف إستراتيجية بربح اكبر دون تلك الأعمال العنيفة التي ألحقت أذى بمجتمعاتهم.

أخطأت الإدارة الأمريكية وأخطأت الإدارات الأوروبية في العراق وليبيا وأفغانستان وسورية والصومال.. هكذا قال زعماؤها ولكن يُفترض أن تكون نتيجة الخطأ توبة ومراجعة وتراجع وإيقاف مسلسل الاستهداف، ولكن ما نشاهده ونتتبَّع خطواتِه يفيد بأن الغرب أصبح أكثر استشراسا وهيجانا للقضاء على الفريسة.. وتعدى الأمر إلى الإعلان صراحة ان دول العرب لن تبقى كما كانت، بل ستقسم على الإثنيات القومية والطائفية.

من هنا بالضبط ينبغي عدم الاغترار بالكلام المعسول القادم مع ريح السموم من الغربيين، ليس فقط عدم تصديقهم ، بل عدم إدخال كلامهم في مختبر التحليل وضمن معطيات الوقائع.. ونحن في هذا نستند إلى التجربة التاريخية والشواهد التي تملأ الزمان والمكان، وما ينبغي الركون إلى الطمأنينة لحظة لأيّ مبادرة تأتينا من طرفهم، ولا لأي اتفاق يبرم بيننا وبينهم.. فالعقد بيننا والغرب ليس شريعة المتعاقدين، بل غطاء لخطة يبيِّتها الغرب لنا بعد أن يكون قد سحبنا من المعركة ضده إلى المعركة فيما بيننا وأنهك قوانا باختراقاته وفسخ صفنا بعملائه.

إدارات أمريكا وأوروبا لم “تخطئ”.. إنها خاضت حربا علينا دمرت فيها أفغانستان والعراق وليبيا، وتقف مع الكيان الصهيوني للقضاء على فلسطين وتشرف على معركة تفتيت سورية والجزيرة العربية.. قد تكون تعجّلت أو بدّلت في الأساليب والأدوات، لكنها لم تخطئ الهدف ولم تسئ إلى مصالحها بشكل استراتيجي، إنما فقط في إدارة المعركة في شقها الثانوي.. وهي تستدرك هذه الأخطاء التكتيكية بجريمة جديدة ضدنا.. فهي بعد إن وصلت إلى اتفاقيات مع إيران تُنهي الحصار، أشاعت جوا من الانفراج الكبير مع إيران وأنها ستصبح دولة عظمى في المنطقة لتخيف دول الخليج التي سارعت إلى عقد صفقات شراء أسلحة بمئات مليارات الدولارات.

من هنا بالضبط لابد من تنبيه كل المتعاملين بالشأن العام أحزابا وحكومات وشخصيات وإعلاميين إلى أن لا يصدروا لأمتنا الوهم والضلال، وان لا يظنوا للحظة ان حلا لأي من قضايانا سيأتي من هؤلاء أو ان خيرا، بأي شكل كان، يمكن ان يصدر عن الغربيين والأمريكان بشكل خاص..

نحن قوم لدينا من الثقافة حصن منيع؛ فالقرآن الكريم نبّهنا إلى عدم الركون إلى هؤلاء وعدم التودد إليهم وعدم مساندتهم في أي موقف كان، لأنهم يسحبون قوانا للتبديد والتشتيت، كل ذلك لكي يظل الكيان الصهيوني قاعدة متقدمة له في المنطقة تقوم بوظائف أمنية وسياسية واقتصادية واسعة.

ولنا في واقعنا التجربة تلو التجربة انه مهما تودد بعضنا وأبدى الاستعداد للتجاوب مع ما يطرحه الغربيون من مبادرات لأزماتنا، فإنه في النهاية يضيع بين ركاب الخيل وتلتف على عنقه مشانق الأمريكان او تطعنه خناجر الفرنسيين والانجليز.

اخطأت إدارات الأمريكان والغربيين.. نعم انهم ارتكبوا الجرائم المهولة الفظيعة، فلقد قتلوا منا في القرن الأخير الملايين وبددونا وقسموا ديارنا واغتصبوا فلسطيننا وأذلوا كثيراً من حكامنا وأهانوا سيادتنا وكرامة بلداننا.. رغم ذلك فلم نجد كلمة اعتذار منهم، بل إنهم يمجِّدون استعمارهم لبلداننا كما تفعل فرنسا وحكامُها.

رغم ذلك، ينبغي ان لا ننزلق في متاهات الحقد الأعمى والتعصب المقيت، لأن ذلك يزيد في وتيرة تدميرنا والقضاء على امكانياتنا.. بل لابد من الوحدة والتكامل والاكتفاء الذاتي والإعداد على صعيد التصنيع والتوجه دوما إلى عاصمة الروح القدس لتجمع شتاتنا وتوحد مقصدنا.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!