-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإرهاب بين المكافحة والإستغلال

الإرهاب بين المكافحة والإستغلال

لماذا عجز المجتمعُ الدولي عن الوصول إلى تعريف موحَّد للإرهاب؟ وهل هذا العجز يعود إلى نقص علمي أم معلوماتي؟ وكيف يمكن أن نفهم -رغم هذا العجز- أنّ العالم متّفقٌ على محاربة هذه الظاهرة؟ وهل يمكن محاربة ظاهرة مجهولة وغير معروفة ولا مُعرَّفة؟
إنّها أسئلة تُطرح على عقل ونفس كل من يتابع الأحداث التي يعرفها عالم اليوم والتطورات الحاصلة فيه منذ انتصار حركات التحرر وإلى يوم الناس هذا.
من هو الإرهابي إذا كان الإرهاب هو استعمال القوة للوصول إلى السلطة؟
من هو الإرهابي إذا كان الإرهاب هو إجبار المُخالِف على تبنّي قيم من يمتلك قوة السلاح والإكراه؟
من هو الإرهابي، هل هو ذلك الذي يلتجأ إلى القوة لاسترداد أرضه وحقه والدفاع عن وجوده، أم ذلك الذي يستعمل القوة لاحتلال أرض الغير وانتهاك سيادته وحرمانه من حق الحرية والحياة بل وحق الوجود؟
من هو الإرهابي، أهو ذلك الذي يحمي ثروات أمّته وهويتها باللّجوء إلى القوة عند الاقتضاء، أم ذلك الذي يستعمل القوة لفرض نهبه واغتصابه تحت شعارات قيم الحرية والديمقراطية؟
من هو الإرهابي، أهو ذلك الغاصب الحامل زورا لقيم الحداثة والحضارة ضد الهمجية، الذي يرى في حضارته وقيّمه سبب وجوده فيقاوم من يريد حرمانه منها بكل ما توفّر له من أسباب القوة؟
إنّها سلسلةٌ غير متناهية من الأسئلة التي لا تجد لها جوابا موحّدا. والنتيجة: كيف لنا أن نتّفق وتتكاثف جهودنا وتتكامل لمكافحة ظاهرة لا نتفق على تعريفها وماهيتها؟
لقد كان المجاهدون أيّام الثورة التحريرية المباركة يوصفون بـ”الإرهابيين” من طرف ساسة الاحتلال الفرنسي ومن لفّ لفّهم وتعاون معهم وبارك وجودهم.
كما توصف المقاومة الفلسطينية اليوم بالإرهاب من طرف الصهاينة ومن لفّ لفّهم وتعاون معهم وشرعن اغتصابهم. وفي زمن سيطرة الرَّداءة اليوم راح طيفٌ من الممسوخين والمهزومين في العالمين العربي والإسلامي يطلق الصفة ذاتها على أبطال الحرية الأشاوس في فلسطين المغصوبة والمخطوفة.
إنّ هذا الانقلاب في المفاهيم سيهوي بأمّتنا في متاهة سحيقة ما لم يتم تدارك الأمور بالعودة إلى قاعدة الإعداد لكل شروط القوة وبجميع أنواعها حتى يعود الأمر إلى نصابه وتعود الموازين إلى الرشد والعدل.

ظاهرة الإرهاب نسخة جديدة في برنامج تضارب المصالح واستدامة السيطرة على مُقدَّرات الشعوب. والمُتتبِّع لهذه الظاهرة طيلة الأربعين سنة من ماضيه يكتشف من دون كبير عناء ولا ذكاء كيف تطفو ظاهرة الإرهاب في منطقة من العالم ثم تغيب لتظهر في مكان آخر، والمستفيد دائما واحد، والضحايا دائما هم شعوب وأقاليم المستعمرات القديمة.

إنّ ظاهرة الإرهاب في عالم اليوم تزداد غموضا لأنها تظهر في جهة من العالم ليقضي بها وطرا ثم تغيب لتظهر في مكان آخر ولغرض آخر، وهي أقربُ إلى وسيلة ابتزاز أو ذريعة لمأرب سياسي أو اقتصادي أو بُعد أمني استراتيجي، كما أنّها تتجلَّى بوضوح في الأماكن التي لا يُراد لها الاستقرار وغالبا ما تكون هذه المناطق والأقاليم مصادر ثروة طبيعية هائلة أو موقعا استراتيجيا أو ممرا مهما أو كل هذه العناصر وزيادة. ويبدو أنّ التسابق على السيطرة والهيمنة عالميا يتّخذ من ظاهرة الإرهاب متكئا للوصول إلى غاياته.
وما عرفه العالم اليوم من تقدُّم تكنولوجي هائل في التواصل أصبح هو الآخر منطلقا للإقناع والتبرير، بل قل لتغيير القناعات وغسل الأدمغة إذ تعرّت سوءة الإعلام فلم يعد له من الحرية والحياد نصيب، وأُدمِج هو الآخر بدوره كوسيلة فعّالة بل سلاح فتّاك في طمس الحقائق وقلبِها وصناعة رأي خادم لأهداف زعزعة الاستقرار وخلق بُؤر توتر.
والمُلاحظ أنّ الضّحية دائما هم شعوب وأقاليم المستعمرات القديمة حتى تستمر سياسة نهب ثرواتها وطمس هويتها وتضليل واستغلال شعوبها.
كما أنّ المُلاحظ أيضا أنّ ربائب الاستكبار والاستعمار يتّخذون من ظاهرة مكافحة الإرهاب سياسة لتبرير أدوارهم في إطالة عُمُر الاستنزاف والاستقرار ليؤمِّنوا مصالحهم السلطوية أو الحياتية من دون وازع من ضمير أو قيم.
ظاهرة الإرهاب إذاً نسخة جديدة في برنامج تضارب المصالح واستدامة السيطرة على مُقدَّرات الشعوب. والمُتتبِّع لهذه الظاهرة طيلة الأربعين سنة من ماضيه يكتشف من دون كبير عناء ولا ذكاء كيف تطفو ظاهرة الإرهاب في منطقة من العالم ثم تغيب لتظهر في مكان آخر، والمستفيد دائما واحد، والضحايا دائما هم شعوب وأقاليم المستعمرات القديمة.
وأعتقد جازما أن لا علاج لهذه المُعضلة إلّا بضرورة إعادة النّظر كُلّيا في القواعد التي تحكم العلاقات الدولية، وأن يقتنع الجميع بأنّ البشرية على اختلاف حضاراتها ومعتقداتها وثقافاتها وأعراقها يجب أن تكون صاحبة حق في أن تعيش بحرِّية وكرامة وأنّ أيّ تجاوز لهذا الحق يجب أن يُقاوَم بكل الأساليب.
وما لم نصل إلى القناعة الحَقَّة بأنّ قيمة الإنسان واحدة بغضِّ النّظر عن لونه ودينه وعرقه فإنّ ظاهرة استعمال القوة لفرض الوجود ستظل الوسيلة الأكثر استعمالا والأشدّ خطرا على السلام البشري.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!