-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإسلام .. ومنطق القوة

الإسلام .. ومنطق  القوة

“الإسلام ومنطق القوة”.. كتاب للعلامة الراحل “محمد حسين فضل الله”، صدر في طبعته الثالثة العام 1985، قرأته منذ عشرين عاما تقريبا، وأعدت الاطلاع عليه منذ أيام فقط، في اطار عودة واعية لقراءة أفكار فضل الله بعد رحيله من جهة أولى، ولحاجتنا على مستوى العالم الإسلامي إلى فهم جديد لمنطق القوة من خلال التحرك ضمن قواعد الإسلام وضوابطه في ظل الصراع الدولي الراهن من جهة ثانية، إضافة إلى إعادة النظر في السياسة المعتمدة حاليا في علاقتنا مع الآخر لجهة الركون إلى الضعف والهوان مع الادعاء أنه جنوح إلى السلم من جهة ثالثة.

  • وبعيدا عن خلفيات مطالعة الكتاب فإن أهميته تكمن في كونه يحدّد المجال المشترك للحركة بين القوة والعنف مع تركيز خاص على حالة الوجود الإنساني للفرد المسلم من حيث توصيفه بالضعف كما جاء في بعض الآيات القرآنية، وما ترتب عن ذلك من وعي مزيف لدى قطاع عريض من المسلمين، أدى بهم إلى التواكل والتراجع عن دورهم الحضاري ورسالتهم في الحياة، مع أن الحقيقة غير ذلك، فبقدر عبادتهم لله يكونون أقوياء أمام الآخرين، لأنهم يتحررون من سلطتهم، التي لا تضرهم ولا تنفعهم، بما فيها تلك القوى التي انتهت منذ قرون ولم تغنها قوتها.
    هذا الفهم الخاص لأهم ما جاء في كتاب فضل لله، تأسس على ما طرحه الكاتب في المقدمة، من قضايا مركزية، أولها تلك المتعلقة بالخطاب الخاص بالقوة ومجالات الصراع، حيث يقول: “ربما كان الحديث عن القوة، حديثا يوميا في كلّ حالات الصراع الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي  والعسكري،  لا  سيما  عندما  تشتد  الضغوط  وتتكاثر،  وتفرض  نفسها  على  قضايا  المصير،  في عملية  محاولة  لاحتواء  الساحة  من  قبل  هذا  الفريق  او  ذاك ..
    ثانيها : قد  يترافق  الحديث  عن  القوة  مع  الحديث  عن  العنف،  باعتبار  أنّه  يمثّل  المظهر  الطبيعي  لحركة  القوة  التي  تختصر  الزّمن وتوفّر  الجهود  الطويلة،  باعتباره  السبيل  الأقرب  للوصول  إلى  الهدف .
    ثالثها: قد نلمح في نطاق الحديث عن العنف، بعض الإشارة إلى الإرهاب، على أساس أنّه الصورة المميزة.. الذي يتّخذ لنفسه التبريرات في استحداث وسائل متنوعة غير مألوفة، قد تحاصر القوى المضادة بوضع غير مترقب وبشكل مفاجئ.. وهكذا نجد أن الحديث عن القوّة، ليس حديثا تجريديا  فكرياّ  يحلّق  في  المتاهات  الفلسفية  الغارقة  في  الضباب .. بل  هو  حديث  السّاحة  في  كل  وقت .. وفي  كل  مكان .”
    وكما ذكرت في البداية فإن هذه فكرة مختصرة جدا من أفكار كثيرة هامة طرحت في هذا الكتاب، من الضروري العودة إليها لتجديد مسار أفكارنا، ولإيجاد حال من التوازن في ظل الصراع  الدولي الذي يضعنا في المواجهة.
    على العموم فإن طرح مسألة القوة في الوقت الراهن على صعيد العالم الإسلامي يبدو قضية عويصة للفهم، فمن جهة أولى، الإيمان ـ منطلقا وحقيقة ـ يشكل حالا من التحرر ويؤدي إلى التغيير وأيضا إلى الاستمرارية والتجدد.. الأمر الذي ينتهي إلى توظيف القوة في جانبها المعنوي، ومن جهة أخرى يعطي للبعض شرعية ـ غير مبررة أحيانا ـ لاستعمال القوة في جانبها المادي من أجل سيادة الشريعة عمّا سواها من سبل أخرى يتخذها كثير من المسلمين المعاصرين، الأمر الذي ينتهي بنا إلى النظر إلى القوة من حيث هي عملية مصاحبة للفهم حتى لو تناقض هذا الفهم مع  صالح  المسلمين  او  مع  مقاصد  الشريعة،  وما  يتبع  هذا  كله  من  صراع    داخل المجتمعات  االمسلمة  تحسبها  أهلها  جميعا  ولكنهم  شتى،  بأسهم  بينهم  شدبد .
    إن التناقض القائم بين متطلبات الإيمان وبين تحقيقه على أرض الواقع بالقوة، أحدث شعورا عاما بالخوف من أن نتخطف بعضنا بعضا، نظرا لغياب الأمن والأمان، فلا الذين لجأوا إلى العنف والإرهاب من أجل إقامة شريعة الله في الأرض أحسنوا، ولا الذين طاردوهم، وحين تمكنوا منهم،  اتسعت  قلوبهم  لإخوانهم،  وهو  ما  يكشف  عن  التغيّر  في  القاعدة  الإيمانية  التي  حددّت  مسار  الرسول ( صلى  الله  عليه  وسلم )  والذين  آمنوا  معه  ( حيث  الشدة  على  الكفّار،  تقابلها  الرحمة  بينهم ) .
     صلاح الأمة إذن مرهون بفهمنا لشروظ الإيمان، ووعينا بمنطق القوة التي تكون أحيانا في الرفق، كما وضّح ذلك فضل الله بقوله: “.. القوة ليست دائما في العنف، بل قد تكون في الرّفق واللّين.. ما دامت القضية التي تحكم الموقف، أن تهزم الموقف الآخر، أو القوة الأخرى.. فإذا استطاع الرّفق أن يقود الآخرين إلى تقديم التنازلات، فإنّك بذلك تكون قد حققت القوة لموقفك من خلال تأكيد وجوده على الأرض من دون أيّة مشاكل أو سلبيات.. إنّ الرّفق الذي يحلّ في داخله مضمون العنف على مستوى النتائج، فيما يحمله من الضغوط النفسية والعملية التي تحاصر المشكلة لتسقط كل ظروفها وأوضاعها، امام قوة الضغوط الهادئة.. إن القوة قد تعني العنف على مستوى النتائج في المضمون.. ولكنها لا تعني العنف على مستوى الشكل والمقدمات.. بل قد تكون في هذه الحالة مظهر ضعف”.
    استنادا على رأي فضل الله فإن الانتصار يمكن أن يتحقق من خلال الرفق واللين، وهو ما دعا إليه الإسلام، حتى لو كان التعامل مع أفراد أوجماعات أو شعوب خارج دائرة الإيمان، فما بالك حين يتعلق ذلك بالجماعة المؤمنة؟!.. من هنا نحن مطالبون اليوم بفهم جديد لمنطق القوة..  ربما  نفلح  في  الوصول  إلى  مشاركة  حضارية  ذات  طابع  رسالي،  فوائدها  تعود  علينا  وعلى  البشرية،  وما ذلك  بمستحيل !
     
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • ali

    السلام عليكم :
    شكرا لك لىهذا المقال
    لقد ذكرتني بايام الثمانينات انه اول كتاب قراته للعلامة محمد حسين فضل الله رحمه الله وكن رائعا
    ولقد تذكرت حتى مقابلتك الصحفية التي أجرتها الشروق في اوائل عددها مع العلامة .
    للعلامة رؤية مغايرة واقع الامة فيتكلم انطلاقا من واقعها المرير لايجاد حلول لما تعيشه الامة الاسلامية متجاوزا جميع الحدود الوهمية المذهبية و الطائفية و حتى المصطنعة على امتداد خارطة العالم العربي والاسلامي .
    فالكتاب في مضمونه مازال له اهميته خاصة في حال الامة و ماهي عليه .
    ان قبول رؤية الاخر ومحاولة التفاعل معها يبدد حميع الاوهام و التخوفات .
    ان التغييرالذي احدثه العلامة في لبنان خاصة و على امتداد العالم العربي عجز عنه الكثير ممن يدعون زعامتهم ووصايتهم على الامة .
    ان حركية العلامة في واقع مثل لبنان المتازم انتج اجيال من الشباب المقاوم ولعل قيادات من جزب الله تفخر باعتبارها من ابرز تلامذة العلامة فضل الله .
    السيد فضلالله لم يبقى كغيره من طلبة العلم في النجف الاشرف حتى ينال شرف المرجعية بالتدريس بل تحد واقع لبنان المرير و احدث مؤسسات التي عمل من خلال هافي تغيير حال الامة الاسلامية فاستدبل الاسلام الفقهي بالاسلام الامؤسساتي فكانت نتيجه جهده المتفاني مقاومة اسلامية استطاعت ان تعيد الى العالم الاسلامي و العربي هيبته و صولته
    فهذا فضل الله مشروعه القوي و انتم ماذا حققتم .
    للذين يحاولن تفريق الامة بهذا مالكي وهذا شيعي و هذا سني ابقوا في سراديب الجهل و الظلام الى ما شاء الله
    شكرا للكلتب على هذا المقال .

  • hakim

    ذات صباح نهضت من نومي على اغنية الارض بتتكلم عربي تبث من الراديو

    فانتابتني نزعة قومية تملكت كل مشاعري واقشعر لها بدني

    وقلت لنفسي اذا كانت الارض الصماء تتكلم عربي فلم لا يكون كل شيئ في حياتنا يتكلم عربي ؟

    فقررت ان اعلنه يوما عربيا بامتياز في حياتي لا استعمل ولا اكل اي شيئ الا من الانتاج العربي

    اردت ان ارتدي ثيابي فكانت البدلة تركية

    والحذاء ايطالي وكل شيئ اجنبي

    بحثت وبحثت فلم اجد سوى جلابية مصرية مع قبقاب سوري كي ارتديه

    نزلت الى المطبخ واخبرت زوجتي برغبتي العربية

    وطلبت منها ان تطعمني فقط مأكولات عربية الانتاج والمنشأ

    واخذت المسكينة تفكر بما يجب ان تقدمه لي في النهار العجيب هذا

    طلبت منها الجبنة فقالت تركية عرضت علي البيض فقلت لها من الهند

    و ماذا عن الخبز ؟

    فقالت قمحه امريكي

    في اخر المطاف طلبت بضع حبات تمر قالت هذا تمر ايراني

    خرجت من البيت جائعا وهممت بركوب سيارتي عندما تذكرت انها يابانية

    ما العمل ياربي هل هناك سيارة من صنع عربي ؟

    فكرت وبحثت وفي النهاية قررت فكان نصيبي عربة يجرها حمار

    اوصلتني الى عملي بزفة من اولاد الحارة

    في الطريق رن الموبايل فلم ارد عليه لانه من صنع فنلندي

    دخلت المبنى وصعدت السلالم الى الطابق الثامن لاني لا اريد استعمال المصعد الياباني

    وصلت الى مكتبي واردت ان اعمل ولكني تذكرت فلم استعمل الكمبيوتر الامريكي

    ولا طاولتي الماليزية

    وجلست على الارض احسب الفواتير باصابع يدي

    لانها الشيئ الوحيد العربي الموجود في المكتب

    جاء الفراش الباكستاني ليخبرني ان المدير البريطاني لمؤسستنا الحكومية العربية يريد رؤيتي

    فطلبت منه ان يخبر المدير اني لن اتعامل مع غير العرب هذا اليوم

    فوصلني توبيخ باللغة الانجليزية مع تهديدي بالطرد في حال تكرار هذا الامر

    رجعت الى بيتي بنفس العربة والزفة وجلست في الصالة على الارض

    لاني لم ارد ان استعمل الاثاث الايطالي

    ثم ازحت السجادة الايرانية من الارض و اردت مشاهدة التلفاز

    ولكني عدلت عن ذلك لانه من صنع تايلندي

    وقررت ان اقرأ الجريدة ولكني تذكرت ان ورقها من فنلندا

    ومكائن طباعتها المانية فتركتها

    حملت كتابا فوجدت انه لكاتب امريكي ومترجم الى العربية

    فكرت مع نفسي هل يعقل اننا كعرب ليس هناك شيئ واحد نستعمله ويكون عربيا

    ومن انتاجنا وليس مستوردا

    اذا كانت حتى قناني الماء مستوردة من فرنسا وتركيا ؟

    فكرت وفكرت وفكرت حتى غفوت ثم صحوت في اليوم التالي انسانا طبيعيا

    وبدأت صباحي مع البدلة الايطالية

    وقلت في نفسي تعيش العروبة بعد التعديلات !!!

  • عزيز

    مقال جد رائع لم اكن اتصور ان العالم الشيعي فضل الله والمتوفي حديثا كانت له هده الافكار الفدة والناضجة التي تخرج الامة من الجهل بالواقع والدين. والتي ستخرجنا من التخلف,والمشاركة في بناء الحضارة من جديد.

  • عبدالمنعم

    اتفق معك ايها الكاتب المحترم دوما

  • الدين فرحات

    السلام عليكم اخي وأستاذي خالد، الحمد لله على السلامة، أخيك الدين من أدرار(1989وهران)، أقول حفظكم الله ونشكر لك صراحتك وجرأتك لعلاج هموم الأمة كما عرفتك على الوحدة ثم الشروق ومحاضراً بالجامعة، لكن موضوعك اليوم مهم لكن كان عليك طرح أراء رجال آخرين قد يوافقون فكرة الرجل رحمه الله وهو معروف باعتداله وسطاً عن بني فئته، لكنه طرحه لن يكون الأسلم لنا لا اليوم ولا غدا، والله أعلم:قلت( هذه فكرة مختصرة جدا من أفكار كثيرة هامة طرحت في هذا الكتاب، من الضروري العودة إليها لتجديد مسار أفكارنا، ولإيجاد حال من التوازن) انتهى وعلينا العودة لطرح أعلام مثل القاضي ابوبكر بن العربي صاحب الأحكام والإمام عبدالرحمان الثعالبي ومالك بن نبي وشكراً، والسلام

  • ابو صلاح

    لا ،اخد عن علماء الشيعة لا يعترفون بالخلفاء الراشدين و يقدفون في عمر و ابابكر و عائشة و معتقداتهم متناقضة و وهمية
    فيما يخص قوة المسلم فلنا في علمائنا و مفكرينا قياداتنا السنية قدوة حسنة لا نهتم بفكر يعدي فكرنا حتى و لو كان يظهر صواب لكنه يخفي مصائب
    نحن سنة على المذهب المالكي و لا اختلاف كبير بين المذاهب الاربعة في عقيدة التوحيد

  • المنجي

    من يعلمنا شروط الايمان؟ومن المطالب أكثر بتعلمها وتجسيدها في الواقع؟ ومن يقتدي بالآخر ،الحاكم أم المحكوم؟
    أنظر الى الخارطة السياسية نظرة متفحص ثم أكتب لنا مقالا منطقيا جريئا .