الإسلاميون في تونس.. الأفضل أم الأقلّ سوءاً؟
عند الحديث عن “الإسلام السياسي” في تونس، تتوزّع الرؤية حاليا، وفي سرعة كبيرة، بين كلّ من حركة “النهضة” ذات الجذور الاخوانيّة، وإن حاولت التخفيف منها أو القطع الظاهر معها، وكذلك “الجماعات السلفيّة” التي لمعت بما هو عنف في مناهجها سواء في تونس أو في ساحات سوريا والعراق أو حتّى ليبيا القريبة.
أثبتت حركة النهضة نجاحها الكبير في التغطية على كلّ ما هي حركات أو أحزاب أو جماعات إسلامية، تسعى في تونس راهنًا للعب دور ما، ضمن الحراك السياسي، وحتّى الانتخابي في نسخته التشريعيّة، الذي ستشهده تونس يوم 26 من هذا الشهر، حين لم تحظ هذه الأحزاب الأخرى ذات التوجه الإسلامي بأيّ اهتمام يذكر سواء في وسائل الإعلام أو حتّى لدى الشارع التونسي، الذي بقي ولا يزال منذ الثورة، يوزّع رؤيته بين سياسة النهضة من جهة، وعنف المتشددين السلفيين، دون أن نغفل مسعى البعض للربط بين الطرفين أو جهل النهضة في صورة “الأمّ الشرعيّة” لمن حملوا السلاح ومارسوا العنف باسم الدين.
حظوظ الإسلاميين في الانتخابات التشريعيّة في تونس، تختزلها حركة النهضة، التي استطاعت منذ نشأتها، كما هو شأن الإخوان المسلمين، إنشاء شبكاتٍ واسعة من التواصل الاجتماعي، مثلت ولا تزال في الآن ذاته، القاعدة الاجتماعيّة الرابطة لكلّ المنتمين والمتعاطفين وحتّى المناصرين، وكذلك الوعاء الحامل للبُعد السياسي للحركة، أي سعيها ومسعاها للوصول إلى السلطة.
نجاح حركة النهضة في الارتقاء إلى المنصب الأوّل في الانتخابات المجلس التأسيسي مردّه بالأساس وجود هذه “الشبكة الاجتماعيّة” التي وإن عانت الكثير زمن بن علي، إلاّ أنّها استطاعت العودة إلى مستوى أفضل من جميع الأحزاب الأخرى، وثانيا حيازة الحركة لرصيد من التعاطف الاجتماعي بحكم ما عانت من اضطهاد طوال فترة بن علي، دون أن نغفل أنّ ثورة مثلت أو هي جاءت دليلا لا يقبل المناقشة على فشل “المشروع الاجتماعي” الذي أراد زين العابدين بن علي الترويج له، وتأتي معاداة “الإسلام السياسي” عامّة وحركة النهضة على وجه الخصوص أحد أعمدته.
مهما يكن الموقف من الوضع في تونس راهنًا، يمكن الجزم بأمرين:
أوّلا: قدرة حركة النهضة على “سلخ” ذاتها، على الأقل على مستوى الصورة، من المشروع الإخواني في بعده الدولي، سواء من خلال الإعلان عن ذلك أو عدم الانسياق وراء التحالفات الإسلامية، كما كان في مصر، بل رفض راشد الغنوشي زعيمها هذا المسعى، وعمد في تونس إلى تأسيس تحالف مع حزبين غير إسلاميين عن قصد وعن عمد، لإثبات حسن نية حركته في الانفتاح على التوجهات الأخرى، وعدم الارتكاز على الهويّة الإسلامّية السياسيّة في تحديد التحالفات وعقد التفاهمات مع الأطراف الأخرى.
لم تكن تجربة النهضة في الحكم ناجحة تمامًا أو هي الفشل في قراءة منافسيها، لكن القبول بترك الحكم، جعلها تتخلّص من عبء السلطة أوّلا وتستطيع ليس فقط أن تتجاوز بعض هذه الصورة السيئة المتراوحة بين عدم النجاح والفشل، بل في إعادة ترميم صفوفها وتحديث الشبكة الاجتماعيّة.
ثانيا: يمكن الجزم دون أدنى شكّ أنّ منافسي النهضة في تونس، أثبتوا عجزًا كبيرا ليس فقط على استغلال أخطائها، بل عجزوا حتى عن بناء أحزاب، تجمع الصلابة في التركيبة بالفاعليّة على المستوى السياسي، بل يقرّ المراقبون في تونس، أنّ قدرة حركة النهضة في الحفاظ على ما لها من عمق جماهيري، جاء بسبب ما يرتكب منافسوها من أخطاء متكررة ومتواترة، أكثر منها نباهة من هذا التنظيم وقدرة منه على التوسّع الأفقي أو التحديث في عمقه البنيوي.
يتأكد الأمر دون أدنى شكّ على قدرة النهضة على أن تكون ضمن الفائزين الأوائل في الانتخابات التشريعيّة، حين تناسى العمق الشعبي تجربة النهضة في الحكم وراح يراقب ما تشهده الأحزاب المنافسة لها من صراعات بينها وداخل صفوفها، ما خلق لدى العمق الشعبي والناخبين خصوصًا صورة الحركة المتناسقة في مقابل أحزاب جمعت حرب “البسوس” بحرب “داعس والغبراء”.
يمكن الجزم دون أدنى شكّ، بأنّ الرهان القادم لدى حركة النهضة، يكمن في لعبة توازنات أشبه بما يأتيه البهلواني في أخطر ألعاب السيرك: من جهة إرضاء عمقها الجماهيري الذي أعرب عن تململه بل عدم رضاه العلني والصريح لما تأتيه القيادة من تنازلات، وكذلك الحفاظ والمواصلة في صورة الحركة القادرة على مسك العصا من وسطها، حين تعاملها مع محيطها التونسي أو المعطى الإقليمي والدولي بأكمله.