-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإنتخابات وثقافتنا السياسية

التهامي مجوري
  • 4092
  • 2
الإنتخابات وثقافتنا السياسية

إن أسوأ ما تصاب به الحياة السياسية عموما، والنشاط الحزبي خصوصا، ألا يعرف حجم الوعاء الانتخابي لأي مناسبة انتخابية، بحيث لا يعرف الحزب مثلا من كان معه أو كان ضده؟ وهل نسبة المشاركة معبرة عن أهمية المناسبة أم هي خوف من مجهول؟ وهل نسبة المقاطعة تعبر عن موقف سياسي رافض للنظام؟ أم هو احتجاج على رداءة الممارسة للسلطة والمعارضة على السواء؟ أو هي مساندة للمقاطعين؟

إن واقعنا السياسي وثقافتنا السياسية عموما –في تقديري- ومنها التعامل مع الاستحقاقات الانتخابية، لا تعبر بصدق عن أن لنا ثقافة في الموضوع، بحيث لا يصبح للأرقام التي يعلن عنها وزير الداخلية بعد انتهاء العملية الانتخابية قيمة سياسية فعلية تعبر عن واقع اجتماعي وسياسي.

وبعيدا عن تهمة أي طرف، كما يفعل الخصوم السياسيون مع بعضهم البعض، بتقاذف التهم والتشكيك في النوايا، فإن واقعنا التفاعلي مع الانتخابات لا يعبر عن شيء يمكن الاستناد عليه في تحليل علمي للواقع السياسي في جميع المناسبات الانتخابية على الأقل . فالمشاركة لا تعبر عن رضى الشعب وقبوله بها، وانتخابه على هذا الحزب أو ذاك لا يعبر بالضرورة عن ولائه له، ومقاطعته للإنتخابات لا يعني أنها تصب في وعاء المقاطعين، أو أنه غير راض عن الواقع بما فيه؛ لأننا نفتقر إلى ثقافة سياسية، تجعل من المناضل السياسي جاد وصادق وله مشروعه الذي ينافس به خصومه، ويشترك مع خصمه في التنافس على ترقية الخطاب السياسي، فيشعر المواطن الجزائري بأنه مسؤول في تعاطيه مع الحدث في كل مناسبة انتخابية وعن نتائجها، وثقافة إدارية أمينة على إدارة العملية، بالعدل والتسوية بين المتنافسين.

والمسؤولية عن ذلك مسؤولية الجميع، وليست مسؤولية طرف واحد، وإنما هي موزعة على الجميع، السلطة والشعب والطبقة السياسية، كل من جهته وحسب موقعه، يظهر ذلك ففي تعاملنا الرسمي والشعبي مع الانتخابات باعتباره من أعراض ثقافتنا السياسية بالجزائر، فتظهر لنا ثلاث صور للتفاعل معها في شكل مظاهر متنازعة متناثرة متنافرة:

1. صورة تمثلها الإدارة والسلطة.

2. صورة يمثلها الشعب.

3. صورة تمثلها الطبقة السياسية.

فأما الصورة التي تمثلها الإدارة والسلطة، لا تتجاوز في غاياتها البحث عن الشرعية لأفعالها وأقوالها؛ لان السلطة في بلادنا تشعر أنها مفتقرة إلى شرعية شعبية. والسلطة في كل العالم لا تستطيع أن تمرر مشاريعها بسلاسة إلا في إطار شرعية كاملة، بل لا تستطيع أن تؤثر وتوجه إلا بقدر ما تمتلك هذه السلطة من شرعية داخلية وخارجية. لأن الشرعية هي الخطوة الأولى للمصداقية، والسلطة التي لا مصداقية لها لا مستقبلها لها إلا في ظل الاستبداد واللإستقرار.

والتجربة الانتخابية في الجزائر في جميع مراحلها لم تعبر إلا عن هذه الوجهة المعبرة عن الافتقار للشرعية الكاملة، والفترات القليلة التي تميزت فيها التجربة بمستوى معين من المصداقية، سرعان ما تسرب إليها الإبطار أو التعطيل بسبب غياب الثقافة السياسية الديمقراطية، كتعطيل الدستور والمجلس النيابي سنة 1965، وإلغاء المسار الإنتخابي سنة 1992، والتنكب لنتائج الاستفتاء على الوئام المدني في سنة 1999، وما عدا هذه التجارب الثلاث في كل ما أنجزته الحياة السياسة في الجزائر منذ بداية الاستقلال، من مجلس الثورة والمجالس النيابية ودساتير وحزب حاكم إلى اليوم، تحتاج إلى تقييم؛ لأنها لم ترتق إلى مستوى الطموح الشعبي. 

وأما الصورة التي تعبر عن موقع الشعب من الانتخابات ورأيه فيها وموقفه منها، فهي صورة فلكلورية، بما تحمل من مهرجانات وحملات انتخابية، ووعود وخطابات. فالمواطن الجزائري في قرارة نفسه لا يؤمن بشيء اسمه الانتخابات، ولا يهتم بها إلى بقدر ما يشعر بالآثار السلبية عن مستقبله، وقد كشفت لنا وسائل الإعلام عن تصرفات غير لائقة في ذلك، كأن يعلق ذئب ميت على لوحة إشهارية تحمل قوائم انتخابية، أو تشوه صور المترشحين وتمزق شر ممزق، وإلى جانب ذلك تخوف من حرمان متوقع لكل من لم ينتخب، من حق من حقوقه المدنية، فيحرص المواطن على بطاقة الانتخاب لينتخب على لا شيء؛ لأن المهم عنده هو أن يطبع على وثيقته “انتخب”، وليس المشاركة من عدمها.

والصورة الثالثة: هي الصورة التي في ذهن الطبقة السياسية، التي هي في معظمها لا تهتم بالانتخابات إلا بالقدر الذي يمكنها من الوصول إلى المنصب، ليقترب من دفئه..، وفي الغالب ليس لأنه يملك مشروعا سياسيا يدخل به معترك الحياة، وأغلب هذا الغالب من هؤلاء الباحثين عن دفء المنصب، انتهازيون إذ ما يهمه من الانتخابات هو تحقيق مصالح شخصية مادية عاجلة.

وعندما تكون الانتخابات بهذه الصورة ذات الفروع الثلاثة، فمعنى ذلك أننا نفتقد إلى ثقافة لهذه الانتخابات، ولذلك لا نجد حزبا يترشح في قوائمه الأفضل والأكفأ والأقدر، ولا نجد رئيس بلدية يطمح لأن يترشح أو يرشحه حزبه للرئاسيات مثلا؛ بل بالعكس… وجدنا من يتكلم عن بيع المواقع في القوائم الانتخابية، لاسيما في الأحزاب المحظوظة المرشحة بالفوز فيها.

إن الانتخابات في العرف السياسي، تزكية شعبية لمن يرشح نفسه أو يرشحه غيره لمنصب سياسي، ثمرة لمكانته في المجتمع وقدرته وكفاءته، ولما يتمتع به من سمعة طيبة في أوساط الناس محليا ووطنيا، وبتلك التزكية تنشأ الشرعية إن لم تكن موجودة، وتتقوى إذا كانت موجودة بمستوى معين وتزداد متانة. بقدر مكانة المرشحين فيها وكفاءتهم وصدقهم في العطاء والإضافة. ومن ثم فإن الانتخابات لا تصنعها الإدارة “ولا تُنَجِّحها السلطة”، وإنما الذي يصنعها وينجحها هما الشعب والكفاءة المرشحة.

إن واقع انتخاباتنا المحلية والوطنية لم ترتق بعد إلى هذا المستوى المطلوب، بسبب غياب الثقافة السياسية، وثقافة الانتخابات تحديدا، وإنما الواقع بكل أسف اتسعت دوائر السوء فيه إلى مستويات أدنى الصور الثلاث المذكورة، التي غلبت عليها أنانيات الفئات المتناثرة والمتنافرة، حيث أن الإدارة لم يعد يهمها أن تبقى إدارة ناجحة، وإنما أضحت تعتبر أن نجاحها في تمرير العملية الانتخابية وإنجاحها في الدائرة الثانية ولو بنسبة ضئيلة من المصداقية، وكذلك الطبقة السياسية لا نجد في برامجها ما يفيد أن لها نية في إصلاح الانتخابات والارتقاء بها لتكون معبرة عن الطموحات الشعبية وإرادة الإصلاح الحقيقية، أما الشعب الذي يئس من الكل لا يحسب له أي حساب، رغم أنه هو الذي يصنع الانتخابات حقا وصدقا، والنتيجة أن لا أحد في بلادنا ينتظر تغيير شيء بمجرد إجراء انتخابات والفوز لفئة ما فيها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • بدون اسم

    لما فشل المترشحون في إقناع الناس بواسطة البرامج 'إن كانت لهم برامج"... أصبحوا يستعملون زمارات سياراتهم و يجوبون الشوارع كما لو أنهم رعاع الناس؟؟؟ هل بمثل هؤلاء يتم انقاذ البلد من الغرق و الوحل؟؟؟ إن المستوى السياسي للطبقة التي تدعي السياسة أصبح في الحضيض؟؟؟ لا فكر...لا برامج...و لا أسلوب لإقناع الناس؟؟؟ هل بزمارات السيارات يتم إقناع الناس؟؟؟ أم أنهم بهذا الفعل الصبياني يضحكون الناس عليهم ؟؟؟

  • صالح بوقدير

    لعل رأس المشكل وعموده الفقري وذروة سنامه يتلخص في الفقرة الأولى ابتداءا من تعطيل الدستور والمجلس النيابي سنة1965.مرورا بإلغاء المسار الإنتخابي سنة1992.والتنكب لنتائج الإستفتاءعلى الوئام المدني سنة 1999.أما بقية الفقرات فهي تحصيل حاصل لكن أود أن أشيرهنا على أن ماتعانيه الأمة الإسلامية بما فيها الجزائرفي علاقة الحاكم بالمحكوم يمتد إلى عمق التاريخ ابتداء من مقتل عثمان رضي الله عنه الخليفة الثاني مرورابالتحكيم إلى إقصاء الشورى في اختيار الحاكم بعد عام الجماعة والدخول في التوريث والحكم المطلق.