الإنترنت.. المشاكل النفسية والاضطرابات لدى المراهقين
تفيد الدراسات والإحصائيات المتوصل إليها في مجال علم النفس، بارتفاع سنوي يقدر بـ 6% من الاضطرابات التي تصيب فئة المراهقين من 10 إلى 21 سنة.. رقم ينظر إليه المختصون كبعبع حقيقي، يهدد جيلا بأكمله. ورغم ترجيح عدة أسباب وظروف بعضها اجتماعي وديني واقتصادي، يجمع الباحثون في الأزمة على أن السبب الرئيس وراء إصابة المراهقين بالاضطرابات النفسية والعقلية راجع إلى استخدام الإنترنت، دون تأطير للمحتوى والوقت.
نمط الاستخدام الخاطئ لمواقع الإنترنت، لدى المراهقين، من خلال التصفح السريع والتعرض لفيض من المحتوى المتباين تماما، وكذا الانتقال المتواصل من تطبيق إلى آخر ومن موقع إلى شبيهه، بات جرعة قاتلة يتعاطاها أبناؤنا يوميا، قد تفوق في ضررها تعاطي أنواع من المخدرات، خاصة في مرحلة النمو الحساسة هذه. فبينما يحتاج الدماغ إلى الراحة والتركيز من أجل تنظيم عمليات دقيقة، يقدم له تحفيز متواصل عبر ما يتلقاه من رسائل خاطفة غالبا. وهو ما يفسر الارتفاع الرهيب في حالات فرط الحركة المتأخر، وتشتت الانتباه والتركيز.
تشير الأخصائية النفسية، عائشة بن ربيع، إلى أن: “الجسم في مرحلة المراهقة، يكون أشد حاجة إلى المحافظة على ساعات النوم الكافية، التي تسمح بموازنة التغييرات الفيزيولوجية، وخاصة الهرمونية التي تعرف أوجها في هذه المرحلة. لكن قضاء ساعات طويلة على المواقع، والسهر مع الشاشات بات يسبب خللا لدى العديد من المراهقين، ويمكن اعتبار هذا الإدمان من مسببات بعض مشاكل النمو، والاضطرابات الجنسية، وانتشار الأمراض النفسية والعقلية بين الأجيال الأخيرة”.
من تلذذ بالعزلة إلى انهيار عصبي.. رحلة هجران الحياة الطبيعية
يتفق مختصون على أنه منذ انتشار الإنترنت، ووصولها إلى متناول المراهقين والأطفال، عبر مختلف الوسائل وخاصة الهواتف المحمولة، قل إقبال هذه الفئة على النشاطات الرياضية والفنية والعلمية بشكل محسوس، وأصبح المراهق يقضي وقت فراغه على مواقع الإنترنت، بتشجيع من بعض الأولياء، الذين يعتقدون أن ذلك آمن لولدهم من الشارع، أو مخالطة أقرانه، حتى وإن كان الأمر مؤطرا. بحسب الأخصائية النفسية، نادية جوادي: “يبدأ الإدمان المدمر من هنا، عندما يصبح المراهق يستمتع بما يفعله، وبدائرة الراحة التي أتيحت له، وغير قادر ولا مستعد لهجرانها والتصرف بغير ذلك، لا يجد حاجة للاندماج الاجتماعي، ويستلذ العزلة، فإن جميع المؤشرات تنذر بانهيار عصبي كأقل تقدير، أما عن أسوإ النتائج التي باتت شائعة أيضا، فيتعلق الأمر بتخلف عقلي، نتيجة قلة التفاعل الاجتماعي، يمنع الفرد من التطور اللغوي، ويفقده القدرة على الخيال، التفكير المنطقي والنقطي، والإصابة بالهلوسة وحتى الجنون للذين لم يجدوا متابعة واحتواء يمكنهم من علاج إدمانهم على ألعاب الفيديو أو محتوى الرعب..”.
أين يكمن الخطر الحقيقي؟
في سياق ذي صلة، تعرج الأخصائية النفسية، نادية جوادي، إلى أن: “هناك خلفية يتجاهلها الأولياء، لكنها لا تقل خطرا عن الصحة النفسية والعقلية للمراهق، من باقي أخطار إدمان الإنترنت، تكمن في المقارنة بالآخرين، التي تجعله يسيء تقدير ذاته، ويشعر بعدم القيمة، ويصاب بالاكتئاب والتراجع الاجتماعي، وقد تراوده أفكار انتحارية”. فغالب ما لا يشغل أولياء المراهقين غير الوقت الذي يقضيه أبناؤهم على المواقع، الذي يوحي لهم بنوع المحتوى الذي يتلقونه، بينما يحذر المختصون في علم النفس مما هو أبعد من ذلك، خاصة وأنهم لا يعتبرون الوقت الطويل وحده مؤشر خطر، وإنما الهدف مما يقضيه المراهق من ساعات على الشاشة، فقد يغتنم أربع ساعات في تعلم لغات، أو ألعاب ذكاء، أو الانخراط في المجتمعات الإلكترونية الفاعلة في مجالات إيجابية.. بينما يهدر آخر ساعتين أو أقل في الانتقال بين الريلز أو مشاهدة الستوري، ما يجعله ينتهي من ذلك مرهقا جسديا مفرغا نفسيا، مستهلكا شعوريا، خاصة إذا كان تصفحا دون تفاعل.