الإهمال قتل ابننا “محمد”.. ولن نتسامح مع من وصفوه بالمتوحِّد
في جو مهيب، كان يغمره الشعور بلوعة فراق فلذة كبد عائلة زمري، الطفل محمد الذي لم يتجاوز عمره الثلاث سنوات، وغصة الظروف التي ساقته عبثا إلى الموت، تم الخميس، تشييع جنازة صاحب الوجه الملائكي في منزله الواقع بحي الضاية في وهران، أين تنقلت “الشروق” لمواساة أهل الضحية، ومحاولة التعرف على ملابسات الحادثة الأليمة التي اهتز على وقعها كل من حي مطلع الفجر والضاية، وترك أهاليهما وكل من تناقلت إليهم أخبارها في حالة شديدة من الذهول والصدمة.
بحزن طعمه أمرّ من الحنظل لا تخفف منه سوى فسحة الإيمان بقضاء الله وقدره، وجدنا عائلة الطفل زمري محمد تشيع فقيدها في البيت الجنائزي المقام حاليا بعمارة – لاكناب – بحي الضاية في وهران، أول ما تحدثت لنا به جدة الطفل الحاجة فضيلة أن إدارة الروضة لم تخبرهم بمصرع حفيدها مطلقا، وأنهم اكتشفوا أمره عند ذهابهم لاسترجاعه ككل مرة، كما أكدت أنه كان محبوبا جدا، ويتمتع بالصحة، حدة الذكاء وسرعة البديهة، ومعروف عنه وسط أقرانه أيضا أنه كان غاية في اللطف وخفة الروح.
كما أن والدة المرحوم محمد السيدة طالب حورية، وبالرغم من مصابها الجلل وجرحها الجديد الذي لا تزال تتحسس آلامه بين طيف الواقع والخيال، تحاملت على نفسها، وتحدثت إليها عن تفاصيل الحادثة التي أصرت أن تكشف غطاءها، وتحميها من أدنى تحريف أو تزييف قد يقتل الحقيقة المتوارية فيها، حيث أكدت وعلى عكس ما سمعته من أخبار تم تداولها عن ابنها استنادا إلى مصادر لا تعلم خلفياتها ولا دوافعها إلى ذلك، أن طفلها المزداد في 18 ديسمبر 2013، لم يكن مصابا بمرض التوحد، وأنه كان طبيعيا جدا، بدليل قبول تسجيله لدخول روضة الأطفال، بتاريخ 14 سبتمبر 2016، وأنها قد لجأت إلى وضع ابنها في الحضانة فقط بسبب تأخره في النطق، وهي نفس حالة أخيه الأكبر يوسف الذي يبلغ من العمر 4 سنوات ونصف، والذي كان يعاني هو الآخر في سنه من تأخر بسيط وطبيعي في النطق، ونصحها آنذاك أحد الأطباء بالاكتفاء فقط بإدماجه مع أقرانه في روضة أطفال وتحت إشراف أخصائيين في التربية حتى تتحسن وظيفة النطق لديه، وهو ما تحقق فعلا بمجرد إدخاله في روضة تقع بحي لالوفا، لكنها تضيف أن تكرر نفس الأمر مع أخيه محمد، جعلها تقبل على الحل نفسه، ليقذف بها القدر إلى اختيار الروضة المذكورة التي مدحها إليها الكثيرون، ولم تكن تدرك أن ابنها سيلفظ فيها أنفاسه الأخيرة.
والأدهى، حسب رواية الأم والجد أحمد الذي عاين بالصدفة بعض المشاهد التي أعقبت الحادثة بعد وقوعها بلحظات، حيث إنه كان في حدود الساعة منتصف النهار و45 دقيقة ـ حسب قوله ـ بالقرب من الروضة بغية إيصال حفيده والأخ الأكبر للضحية للدراسة في مدرسة قرآنية تجاور الحضانة، أين شاهد فوضى وحالة غير طبيعية تحدث في محيطها، ليتم إخباره باكتشاف غرق طفل داخل خزان مائي يقع في داخلها، لكنه لم يكن يدري أن القتيل هو حفيده الثالث، ليعود أدراجه إلى البيت، ويخبر كنته، وهي والدة الضحية، بالأمر، لكن عندما استفسرت هذه الأخيرة عن اسم روضة، كانت صدمة الاثنين كبيرة، بسبب أنها هي نفسها التي يرتاد إليها محمد منذ فترة وجيزة، ليقرر الجد اصطحاب كنته والتنقل إلى عين المكان فقط على سبيل الاطمئنان على محمد ومعاينة ما حدث، وكان ذلك في حدود الساعة الواحدة والنصف، حيث كانت صدمتهما كبيرة وفاجعتهما أكبر، والأمرّ في محاولة الأم التسلل من بين صفوف الواقفين أمام مدخل الروضة، أن قالت لها واحدة من المربيات بعيون دامعة – أنا كنت أحب محمد كثيرا -، ثم تتقدم منها مديرة الروضة وتطلب منها العفو بعبارة، ـ اسمحيلي وليدك طاح عندنا ـ، وهو الخبر الذي أسقطها أرضا بعدما عرفت أن الميت هو ابنها المدلل، ولم تستفق إلا وهي المستشفى.
كما أكد جد الضحية أن الخزان المائي الذي ابتلع حفيده لم يكن به غطاء واق، وهو يقع على بعد قرابة 15 مترا عن الحجرة التي يتواجد بها أطفال الروضة، وفي مكان محاط بالخردة والأغراض القديمة، ما يجعله مصدر خطر حتى على الكبار، بحكم أنه متخندق تحت سطح الأرض، مثلما لا تتوقف والدته المفجوعة عن تحميل المسؤولية الكاملة للقائمين على شؤون الروضة، معتبرة أن الإهمال ولا مبالاة المربيات بعملهن كانا وراء هلاك طفلها، وفي وقت كان يفترض فيه خضوع الأطفال للقيلولة، لكن الذي حدث أن الضحية توارى عن الأنظار ولم يتفطن لاختفائه أحد، حتى يكتشف أنه صارع الموت وحده وحماة الأمانة كانوا في منأى عنها.
كما يزيد في أحزان عائلة زمري أن والد الضحية، الذي يبلغ من العمر 43 سنة، كان يقضي مناسك الحج، وشاء القدر أن يتزامن موعد عودته إلى مطار وهران، في زوال نهار أمس، مع تشييع جثمان ابنه الذي ودعه قبل سفره وداع المفارق للأبد، ولا يسع الشروق اليومي في هذا المقام سوى أن تعزي عائلته، وتتضرع من المولى أن يرزقها جميل الصبر والسلوان، ويرحم فقيدها في سعة اللحد وجنة الخلد.