الانتخابات التونسيّة.. التلفزيون سلاح دمار شامل
رغم أنّ تونس تعيش حالياً الحملة الانتخابيّة التشريعيّة استعدادا ليوم الاقتراع الذي يوافق 26 من الشهر الحالي، إلاّ أنّ الاهتمام منصبّ بشكل شبه شامل على الانتخابات الرئاسيّة، أساسًا ما يدور من صراع مفتوح بين بعض المترشحين، على شاشات التلفزيون ومن خلالها، رغم أنّ حملة الانتخابات الرئاسيّة لم تنطلق بعد بصفة رسميّة.
لم تنحصر الصراعات على الشاشات التونسيّة، بل أطلقت الحملة غير الرسميّة القناة الفرنسيّة الخاصّة أم 6، التي عرضت شريطا وثائقيا عن “كنوز بن علي الخفيّة” أتت فيه على جملة من الحقائق المعلومة سلفًاً، لكنّها أضافت ما رأت أنّه “تقصيرٌ في جمع الأموال المهربّة” مع أسئلة عن “مسؤولية القضاء التونسي في ذلك“، مع ملاحقة بلحسن الطربلسي صهر الرئيس التونسي، المقيم حاليا بكندا.
الشريط جاء ضمنه لقاءٌ مع الرئيس التونسي المنصف المرزوقي، ما اعتبره العديد من الصحفيين والمراقبين تدخلا مباشرًا في الانتخابات الرئاسية، سواء على مستوى خدمة الرئيس الحالي أم التذكير بما ارتكبه بن علي ومن معه، علمًا أنّ الانتخابات الرئاسية التي ستدور دورتها الأولى يوم 23 نوفمبر القادم، تشهد مشاركة 4 ممّن كانوا وزراء زمن بن علي، من دون أن ننسى مشاركة عديد القائمات في الانتخابات التشريعيّة، تنتمي مباشرة أو بصفة غير معلنة إلى النظام السابق.
كذلك عرضت قناة “نسمة” الخاصّة أثناء سهرة يوم الأحد الفارط، ما قدّمته في صورة “عمل استقصائي” عن رجل الأعمال والمرشّح للانتخابات الرئاسيّة سليم الرياحي، حيث جاء في الشريط أنّ الرجل وعد ببعث عديد المشاريع الكبرى في عديد المناطق، لكنّه– وفق من أوردتهم القناة– لم يفِ بوعوده، حين يذكر المقدّم أنّ العملية لم تتجاوز “وضع حجر الأساس الذي يتم اقتلاعه بعد ذلك“، ما خلّف– وفق الشهادات المقدمّة– خيبة أمل مريرة لدى سكّان هذه المناطق.
ضمن الجزء الثاني من هذا “التحقيق” يتمّ اتهام رجل الأعمال سليم الرياحي بأنّ وعوده التي لم يفِ بها تجاه فتاة ذات 5 سنوات، مصابة بداء السرطان، فوّتت عليها– وفق والدة الفتاة ووالدها– فرصة لإجراء عمليّة جراحيّة في فرنسا، ما أدى حينها إلى تحمّل هذه القناة المسؤولية، دون النجاح لفوات الوقت في استئصال الورم، فتوفيت.
شريط القناة الفرنسيّة وكذلك قناة “نسمة“، يطرح عديد الأسئلة عن الجهة التي تقف وراء كلّ منهما، بمعنى المسؤولية السياسية أولا، بمنطق الربح والخسارة، وثانيًا دور القانون وما هو دور “الهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري” المعروفة أكثر باختصار تسميتها الفرنسيّة “هايكا“، التي سبق لها أن فقدت جزءا من سيطرتها وتحوّلت إلى طرف ضمن صراعات سواء بخصوص عديد الأعمال التي أثارت لغطا أم ما تعلّق بالرخص الممنوحة لمحطات وإذاعات وقنوات تلفزيونية جديدة، أو المفروضة على قنوات قائمة منذ زمن بن علي.
يمكن الجزم أنّ ما جدّ رغم خطورته من ناحية، وشدّة تأثيره في المشهدين السمعي البصري ومن ثمّة السياسي، لا يعدو أن يكون سوى مجرّد “تسخين” لمعارك أكبر قادمة، حين تحوّل الإعلام عامّة والسمعي البصري على وجه الخصوص، إلى الحلبة المفضلة للصراع وكذلك إلى السلاح الأقدر على إلحاق الضرر بالخصوم، ممّا يدفع إلى السؤال عن مدى مصداقيّة الانتخابات، سواء جاءت “الطعنات” من قنوات “تبثّ من داخل تونس“، أو ما هو أخطر، وهو إقدام قنوات أجنبيّة على الإدلاء بدلوها في هذه المعارك الانتخابيّة، في ظل عجز القانون التونسي على ملاحقتها.
المعارك من خلال القنوات التلفزيونيّة يدفع إلى طرح مسألة “المال السياسي” و“الفاسد” منه بحسب الأسئلة المطروحة في تونس، ومن يتولّى الدفع ومن يجني المنافع، حين قالت مواقع إلكترونيّة معادية للرئيس المرزوقي إنّ الشريط الفرنسي كلّف الجهة التونسيّة التي تقف وراءه أكثر من نصف مليون يورو، في حين صرّح المرشّح الرئاسي سليم الرياحي، على صفحته على الفايسبوك، أن قناة “نسمة” رفقة صحفي ورجل أعمال، حاولوا ابتزازه وفاوضوه على مبلغ أقلّ بقليل من مليوني يورو، مضيفًا أنّه يتحدى بنشر التحقيق.
إن كان الفضول السمة الغالبة على الشارع التونسي، سواء انتظارا لقادم الأعمال وربّما الردود، فإنّ أسئلة عديدة يطرحها المراقبون عن دور “الهايكا” التي تملك سلطة تحذير القنوات التونسيّة وكذلك توبيخها وحتّى الوصول إلى الغلق، علمًا وأنّ الحديث في تونس لا ينقطع عن “المالي السياسي“، و“الفاسد” منه على وجه الخصوص، رغم صرامة القوانين وتأكيد السلطات على تطبيقها بصرامة لا تستثني، ويترقبها الجميع.