“الباء” بريئة من “الباءات”!
عندما نسمع بأن ما يسمى بمناضلي حزب جبهة التحرير الوطني، قد قرروا الاجتماع وطبعا بأموال الشعب، لأجل بعث ما يريدون استغفال الناس به، من “دماء جديدة وقيادة جديدة”، ندرك بأن الحراك الشعبي لحد الآن في بعض المواضع من الخارطة السياسية برغم “جمعاته” التسع، وكأنه يؤذن في قلب الفاتيكان. فمن غير المعقول أن الذين احمرّت أيديهم من التصفيق على خطابات جمال ولد عباس وهو يتحدى السويد، والذين هلّلوا لبوشارب وهو يصف الرئيس بالمبعوث من السماء، يمكنهم الآن أن يختاروا قيادة جديدة، تقنع الذين يطالبون بوضع هذا الحزب في المتحف بأن يكونوا جزءا من الجزائر الجديدة.
لم يكن بوشارب الذي ألصِق بالباءات المرفوضة، إلا حرفا من أبجدية أفلانية لم تترك اسما أو حرفا إلا ومرّغته في التراب، وسنكون صادقين إذا قلنا بأن حزب جبهة التحرير الوطني هو الحزب الوحيد في الكرة الأرضية الذي لا يمتلك مناضلا واحدا، وهو الحزب الوحيد في الكون الذي لا يمتلك برنامجا لا سياسيا ولا اقتصاديا، بل مجرد ولاءات ومحسوبية وعبادة للمال وللأشخاص، وللأسف فإن غالبية المفردات الشعبية التي دخلت قاموس الجزائريين، كان أفراد من هذا الحزب من اخترعوها وطبّقوها أمام الملأ ومنها “الشيتة” و”الشكارة” وغيرها من المفردات.
لقد فضل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة أمام ضغط الشارع أن يستقيل ويبتعد نهائيا عن الناس، وقيل دائما بأنه هو الرئيس الشرفي لهذا الحزب، ولا ندري كيف لمن يسمّون أنفسهم قادة لهذا الحزب، أن لا يسيروا على طريق رئيسهم الشرفي الذي منحوه الرئاسة والشرف ثم “الألوهية”، إلى درجة أن قال الأمين العام السابق بأنه سيرشحه لعهدة خامسة حيا أو ميتا، وقال الأمين العام الحالي بأن الجزائر كانت في ظلام ونار فأرسل الله لها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
قد تبدو الصورة قاتمة جدا في قمة هذا الحزب، لكن ما خفي في القاعدة في المجالس الولائية والبلدية هي أكثر سوادا في حزب كانت له الجرأة أن يؤمّر على بلديات في الجزائر العميقة، أشخاصا لا يفقهون القراءة والكتابة، ويمنح المقاعد لمن يدفع أكثر، حتى ولو كان هذا المال من تجارة السموم.
عندما يبلغ أي بنيان مهما كان خلابا ومبنيا بقواعد هندسية دقيقة، درجة متقدمة من الخراب، فإن تهديمه سيكون أسلم لساكنيه ولعابري السبيل، فما بالك أن يكون هذا البناء أعمدته مغشوشة وقاطنوه ممن يخربون بيوتهم بأيديهم، وهو حال حزب جبهة التحرير الوطني، الذي على من يزعمون بأنهم من أبنائه ومن الخائفين عليه، أن يسارعوا في ترميم جدرانه وأسقفه، من أجل أن يتحوّل إلى المتحف، قبل أن تغلق كل المتاحف أبوابها في وجهه، فلا هو عاد ليصنع الحياة السياسية في البلاد، ولا هو تحوّل إلى أطلال يذكر فيها الناس الزمن الذي ولّى.