البحث في “راية فرنسية كاذبة” في حادث الأربعاء
حادثٌ غريب محفوفٌ بالشبهات، غير مسبوق في العلاقات الدولية، أن تتطوع وزارة الخارجية الفرنسية لنشر حصيلة عملية إرهابية تعرضت لها دورية للدرك الوطني الجزائري بالأربعاء ولاية البليدة ساعات قليلة بعد وقوع الحادث، وحتى قبل أن يصدر أي بيان رسمي من السلطات الأمنية الجزائرية أو تتصدى له وسائل الإعلام الجزائرية.
الحادث الإرهابي لا يضيف للمشهد شيئا في بلد معرَّض للإرهاب منذ عدة سنوات، وفي وقت لم نعد نميز فيه بين الأحداث الإرهابية الصرفة والأعمال الإرهابية المنفذة تحت رايات كاذبة، ثم إن السلطات الأمنية الجزائرية عوَّدتنا في السنوات الأخيرة على إذاعة المعلومة في وقتها، وليس من مصلحتها إخفاء ما قد يحدث من أعمال منسوبة لبقايا الإرهاب، أو ما يفد على البلد من دول الجوار، فما الذي دعا وزارة الخارجية الفرنسية في حكم الرئيس الفرنسي ماكرون إلى خرق الأعراف الدبلوماسية، والإفصاح عن حصيلة لا نعلم يقينا من أين حصلت عليها؟
حتى مع التسليم بحضورٍ المخابرات الفرنسية في الجزائر يسمح بالحصول على المعلومة، فإن الاستنفار الذي يخفيه استباق وزارة الخارجية الفرنسية لبيانات رسمية من السلطات الأمنية الجزائرية فيه، في الحد الأدنى، استهتارٌ بحق هذه السلطات في التحقيق والتدقيق قبل إذاعة المعلومة، وربما هو أكثر من ذلك يريد أن يبعث برسالة إلى السلطات الجزائرية حتى تعلم أن التهديد الذي صدر على لسان ماكرون من مالي لم يكن مجرد تهديد لفظي، وأن بوسع فرنسا “نقل الرعب إلى الطرف الآخر” وتذكرنا بزمن تسيُّد الزمرة الاستئصالية من مخلفات دفعة لاكوست.
هذا السلوك الطائش من وزارة الخارجية الفرنسية الممزوج بمخلفات الذهنية الاستعمارية لا يمكن أن يمر هكذا دون رد من السلطات الجزائرية بدعوة السفير الفرنسي ابتداء، وطلب استفسار عن الأهداف والغايات والرسائل، ثم فتح تحقيق أمني واسع يكشف المصادر التي تكون قد زوَّدت السفارة الفرنسية بالمعلومة، لأن بيان وزارة الخارجية الفرنسي يشير إلى معطيات دقيقة عن الضحايا، وكأن مُخبري السفارة الفرنسية كانوا حاضرين بمكان الحادث وربما داخل وحدة الدرك وفي المشفى الذي نقل إليه الجرحى والضحية.
ومن حق الجزائريين أن ينظروا إلى هذا الحادث بكثير من الريبة وسوء الظن، فالحادث لم يكن قد حصل بشأنه أي تبني من جهة فاعلة، ولم تكن السلطات قد أفرجت بعد عن المعلومة، إلا أن تكون المصالح الفرنسية قد اعتمدت على ما نُشر في الوسائط الاجتماعية وتلكم مصيبة، أو أنها استقت المعلومة من الجهة المنفذة والمصيبة وقتها أعظم وأخطر، وأنها خشيت ألا تُقرأ رسالة التهديد كما يراد لها أن تُقرأ فاستبقت صدور أي بيان رسمي كان سيحاول “التعمية” على الحصيلة أو تمييع الحادث كحادث إرهابي هامشي.
وللأمانة، فإن بيان وزارة الخارجية الفرنسية الغريب قد نجح على الأقل على هذا المستوى، وألزم السلطات الجزائرية بأحد الخيارين: إما صرف النظر عن الخطيئة كما حصل مع خطايا أخرى ارتكبتها السلطات الفرنسية بوجه سافر، أو الدخول في تصعيد دبلوماسي قد يحمِّل الجزائر مسؤولية قطع شعرة معاوية التي تمسك ظاهريا بها ماكرون المرشح قبل أن يحيط به اللوبي المغربي الكاره لقيام علاقات طبيعية بين الجزائر وفرنسا.