“التبُّولة” و”الكبّة”… من حارات دمشق إلى شوارع الجزائر
يبدو أن بذرة الخير التي بذرها الأمير عبد القادر في سوريا، التي قضى فيها 27 سنة، متبوئا مكانة كبيرة باعتباره رجل دين ودولة، وضمّ ثراها جسده الطاهر، آتت أكلها وصنعت جسرا روحيا بين الشعبين الجزائري والسوري اللذين لا يفوتان أي مناسبة حزينة كانت أم سعيدة ليبديا مشاعر التعاطف والتوادّ نحو بعضيهما، ولعل من أكثر المظاهر التي تبرز هذه المشاعر فتح مطاعم سورية في العديد من الولايات الجزائرية ليكون الذي بين الشعبين ليس مشاعر أخوة وحسب، وإنما “عيش وملح” و”تبولة كبة”. والبحث عن التميُّز
ما إن تلج بابه الكبير، حتى يرمقك “أبو شهاب“ بنظرته الثاقبة التي تذكّرك بمواقفه الشجاعة في مسلسل باب الحارة والتي جعلته محط إعجاب كبير، وعندما تستدير يمينا ترى “أبوعصام“ الرجل الذي ملأ “باب الحارة“ مروءة وطيبة فحاز بهما على حب الناس وتعاطفهم، أمّا عندما تقرّر أن تصعد إلى الطابق العلوي من المطعم، فيقابلك أبطال الحارة مجتمعين، وكأنهم يقولون لك بصوت واحد: “مرحبا بك في مطعم باب الحارة الدمشقي“ ويدعونك إلى أخذ صور تذكارية معهم مثلما يفعل الكثير من الزبائن، وقبل أن تجلس إلى إحدى الطاولات تشاهد عصا “الأركيلة“ موضوعة في زوايا المطعم بطريقة فنية منسقة، هذا بالإضافة إلى ثياب رجال “باب الحارة“ المرفقة بالسيوف التي يمتشقها النوادل وهم يقدّمون الطعام للزبائن لخلق أجواء شبيهة بأجواء “باب الحارة“، غير أنه تمّ الاستغناء عنها مؤخرا لكونها لم تعد تناسب مقاسات العمال الجدد، يقول مدير المطعم زبير زديوي، هذا بعض ما يميّز مطعم “باب الحارة الدمشقي“، الذي يُعتبر واحدا من المطاعم السورية في سطيف التي اتّخذت من عنوان مسلسل باب الحارة اسما لها، فصار قبلة الزبائن الذين وجدوا فيه ما لم يجدوه في المطاعم الجزائرية التي تقدّم نفس الأطباق التي اعتادوا عليها، لذلك يرجع مدير المطعم إقبال الناس على مطعمه في بداية افتتاحه إلى كونه صنع التميّز في شارع تصطفُّ فيه مجموعة كبيرة من المطاعم الجزائرية التي فقدت بريقها مع الوقت، ولم تعد تستهوي حتى الأجانب الذين يتردّدون على الجزائر بشكل منتظم، “من هنا جاءت فكرة فتح مطعم سوري أسال“ فضول “الزبائن، قبل أن يسيل لعابهم“، يقول زبير الذي لم يخف إنّ مسلسل “باب الحارة“ زاد من شعبية مطعمه. ويضيف “بعض الزبائن يزورون المطعم وهم يحملون قائمة الطعام الذي يرغبون فيه لأن المسلسل الشهير عرّفهم على بعض الأطباق السورية التي لم تكن معروفة لديهم من قبل“.
نقل الخبرة
وردا على سؤالنا حول ما إذا كان المطعم يستعين بطباخين سوريين أم توكل المهمة لطباخين جزائريين يتقنون الطبخ السوري، قال زديوي: “منذ البداية استعنّا بطباخين سوريين يحيطون بجميع أنواع الطبخ السوري، على أن يتمّ نقل الخبرة للطباخين الجزائريين الذين يعملون في المطعم، والذين صاروا يتقنون طهي معظم الأطباق“.
الجانب الصحّي
وحول مراعاة الجانب الصحي في إعداد الطعام، تقول زهور، وهي طباخة جزائرية بالمطعم: “عندما نتحكّم في مقادير البهارات وأنواعها، نستطيع أن نعدّ طعاما صحيا، فإذا استعملنا الفلفل الأبيض المسحوق مثلا، والمعروف أنه يسبّب الانتفاخ، نقوم في المقابل باستعمال “الكمّون“ الذي يساعد على تلافي هاته المشكلة“، إلاّ أنّ هذه الشروط الصحية في إعداد الطعام ـ تضيف زهور ـ لا تصبح لها أيّ أهمية عند الزبائن الأجانب، خاصة من الجنسيات الأوربية والآسيوية، والذين يطلبون منا أن نستغني عن بعض التوابل، أو نضيف توابل أخرى إلى أطباقهم، وهذا بعد أن نعرّفهم على محتويات الأطباق نزولا عند رغبتهم“.
المشاوي والمقبّلات في المقدمة
ما هي الأطباق الأكثر إقبالا من طرف الزبائن؟ هذا السؤال أجابنا عنه غسّان، وهو طبّاخ سوري قدم إلى الجزائر رغبة في التجديد قبل أن يتدهور الوضع الأمني في سوريا: “المقبّلات والمشاوي، هي أكثر الأطباق إقبالا من طرف الزبائن، أما المغتربون الجزائريون في أوروبا وأمريكا، والذين لم تتوطّد بعد علاقتهم بالأكل السوري، فيأكلون الأطباق التي نقترحها عليهم، والتي تبدو لهم لذيذة وخفيفة“.
سرُّ النكهة
التوابل والبهارات السورية ذات الذوق المميز، هي أكثر شيء تردّد على أسماعنا ونحن بصدد إنجاز هذا الروبورتاج، سواء من طرف الزبائن أو الطهاة أو أصحاب المطاعم، ومنهم طريف الحسن السوري الجنسية، وهو صاحب مطعم “مشاوي حلب“ الذي افتتحه سنة 2003، “لما بين الجزائر وسوريا من أخوة أرسى قواعدها الأمير عبد القادر الجزائري في سوريا“، يؤكد طريف، مضيفا: “عندما افتتحت المطعم، لم أجد صعوبة في استقطاب الزبائن، كون شهرة الطبخ السوري سبقته إلى الجزائر، كما لم أبذل جهدا في الإعلان على أن المطعم هو مطعم سوري، لأنّ ديكوره يعبّر عن ذلك بوضوح“. وعن سر الذوق المميز، يقول: “نعمد إلى مزج 13 نوعا من البهارات موجود معظمها في الجزائر، ولكن من الضرورة بمكان، أن تخضع هذه البهارات للمقادير، وإلاّ لن تحقق الذوق الذي نرغب فيه“.
الديكور و“البرستيج“
تعتمد هذه المطاعم السورية على ديكور جذّاب وخدمات راقية، لذلك هي أقرب ما تكون إلى مطاعم الفنادق ذات الخمس نجوم، “وهذا ما كنا بحاجة إليه حينما نستقبل ضيوفا أجانب“، يقول مدير مطعم “باب الحارة الدمشقي“. من ناحيته يعتبر مدير مطعم مشاوي حلب أنّ: “افتتاح مطاعم بهذه الجودة والتميّز، من شأنه أن يعطي انطباعا جيدا عن البلد المضيف ويوفر “البرستيج“ المطلوب للأشخاص الذين يتوقون إليه“. من ناحيته، يرى نبيل– الذي وجدناه رفقة زوجته في أحد المطاعم السورية، “هذه المطاعم التي تولي أهمية لـ“البريستيج“ والشكل الأنيق والخدمات الراقية هي أمور تدفعني إلى دخولها، رغم أنني لم أتذوق ما ستقدّمه من أطباق“.