التحالف الاستراتيجي بين المسيحية والصهيونية (الجزء الأول)
منذ أن سقطت القسطنطينية، عاصمة البيزنطيين الإمبراطورية الشرقية لروما، على يد السلطان محمد الفاتح، أخذت الخلافة الإسلامية في توسيع دوائر نفوذها، حتى بلغت أسوار فيينا عاصمة النمسا، فكان أن ابتلعت الكثير من دول أوروبا الشرقية، وكادت تضع أوروبا الغربية موضعا لقدمها، وأحسّ حماة الصليب الغربيون بالخطر القادم من الشرق الإسلامي، وكان لابد لهم من أن يبحثوا عن وسائل فعالة لوقف هذا المارد الزاحف، واستعادة نفوذهم السياسي والديني على هذه المناطق التي اكتسحها المد الإسلامي بقيادة العثمانيين.
كانت اليهودية العالمية، ترقب من بعيد هذا الصراع المسلح بين الحضارتين، ولم تكن لديها القدرة الكافية للمساهمة المباشرة في إدارة هذا الصراع، إلا أنها كانت تمنِّي نفسها بتحقيق حلم كبير راودها منذ أمد بعيد، وهو استعادة مجدها المزعوم الذي فقدته في أرض الميعاد بفلسطين التاريخية التي بشرتهم بها كتبهم المقدسة، ولما كان اليهود يمثلون أقليات من الجالوت (الشتات) منتشرين في جميع بقاع العالم، مما جعلهم لا يقدرون على المساهمة الفعالة في إدارة السياسة الدولية، أو التأثير في أحداثها بالفعل السياسي المباشر، بما يحقق أغراضهم ومقاصدهم وعقائدهم التلمودية، فإنهم التجأوا إلى أسلوب الردة كغطاء ديني، يندسّون من خلاله إلى الوصول للمراكز الحساسة في أجهزة الدول والحكومات، والمراكز الإستراتيجية المؤسسة للاستشراف والتخطيط للاستعمار والهيمنة، فكان منهم من تمسّح ومنهم من أسلم، حتى بلغوا مراتب عليها في الدوائر الحكومية والأجهزة الإدارية شرقا وغربا.
وكان الغرض من هذه الردة الدينية، هو العمل على تخريب الإسلام والمسيحية معا، وإثارة الفوضى والقلاقل في هذه المجتمعات حتى يتسنّى لهم تدمير العالم وتخريب منجزات الشعوب، لأنهم جاروا على اليهود وغمطوهم حقهم التاريخي في أرض الميعاد، عبر وجودهم ضمن كيان سياسي وقومي وديني موحد في الأرض الموعودة.
ولما كان (مارتن لوثر)، المصلح الديني الشهير، قد دعا جهارا إلى إحياء التوراة، وتعهّدها بالقراءة والبحث والتأصيل، بوصفها الأصل الأول للمسيحية، مما نتج عنه مذهبٌ ديني مسيحي جديد (البروستانتينية)، شجّع المسيحيين على تبرئة اليهود من دم المسيح، وهم الذين تآمروا مع الحاكم الروماني (لبيلاطس البنطي)، على صلب المسيح عليه السلام.
مع أن الإنجيل يصف اليهود بأوصاف مختلفة، منها أنهم قتلة الأنبياء (لوقا 13/34 والرسالة الأولى إلى مؤمني تسالونيكي 2/14-15)، وأنهم أبناء قتلة الأنبياء (متى 23/31)، وأنهم “أولاد الأفاعي”، (متَّى 12/34) (متى 23/33 ومرقس 3/7)، وأنهم أهل رياء وفسق (متى 15/7-8 ومرقس 77/6)، وأنهم أهل جهل وعمى وضلالة (متى 23/17، 23/19، 23/24) وأنهم أهل جهل وعمى وضلالة، وأنهم عديمو الإحساس بالعدل والرحمة والأمانة (متى 23/23، والرسالة إلى مؤمني روما 10/3).
ولما كان الحاكم الروماني مقتنعا ببراءة ما اتُّهم به المسيح، إلا أنه نفذ حكم الصلب حسب الرواية المسيحية، لأنه خشي من أن يتهمه الإمبراطور في روما بالخيانة العظمى، لأن اليهود هددوه برفع القضية إلى الإمبراطور في حال عدم تنفيذ القتل، وقالوا له مقولتهم الشهيرة: أنفذ الصلب “وليكن دمه علينا وعلى أولادنا”، بقيت هذه المقولة المروِّعة منقوشة في الضمير النصراني على امتداد فترات التاريخ، وهي التي شحنت العقل المسيحي بالعداوة والبغضاء ضد اليهود، لأنهم شهدوا على أنفسهم بارتكاب جريمة التحريض والإصرار على القتل، فكان دم المسيح متعلقا برقابهم ورقاب أبنائهم إلى يوم الدين، وما زاد المسيحيين مقتا وكرها لليهود أن كُتَّاب الإنجيل وجهوا الاتهام مباشرة إلى اليهود وتبرئة الرومان من الجريمة، وإن كان الرومان هم من نفذوا جناية الصلب.
يقول الدكتور محمد المختار الشنقيطي في مقال له نشر على موقع الجزيرة نت: “ومن غرائب ما ترتب على هذا الاعتقاد ما حكاه “جون دومينيك كروسان” في مقدمة كتابه “من قتل المسيح؟” من أن سكان مدينة “تولوز” الفرنسية كان لديهم في العصور الوسطى تقليدٌ خاص يعتبرونه جزءا مهمًّا من المراسم الدينية، وهو إحضار يهودي إلى الكنيسة، ليصفعه أحد النبلاء أمام الجمع، إحياءً لذكرى الضرب والإهانات التي تعرَّض لها المسيح على أيدي اليهود”.
والمصلح الديني الكبير مارتن لوثر (10 نوفمبر 1483-18 فبراير 1546)، كان راهبا ألمانيّا وقسّا وأستاذ لاهوت ومحرِّكا لحركة الإصلاح في أوروبا، حينما اعترض على بدعة صكوك الغفران التي تصدرها الكنيسة لجلب الأموال وتكديسها في خزائنهم، وقد ألّف الكثير من الكتب منها كتيب صغير، عنوانه (كون يسوع المسيح وُلد يهوديا)، تناول فيه ما حدث من تحوّل كبير في الذهنية المسيحية، إذ تحوّلوا من استعباد اليهود إلى عبادتهم، وقد خاطب المسيحيين فيه بقوله: “يجب أن نتذكر أننا مجرد أغراب أما اليهود فيتصل نسبهم بالمسيح، نحن غرباء وأباعد، أما هم فأقارب وبنو عمومة وإخوة للرب”.
وهذا ما تلقّفه أتباع المسيحية اليوم بقناعة ولاسيما الإنجيليون الجدد، (بجواز الرفع)، فجعلوا فكرة “كون المسيح وُلِد يهوديا” حتى أصبحت تعني عندهم اليوم من ضمن ما تعنيه “أن اليهود هم أهل المسيح وعترته”، على نحو ما نعتقده نحن المسلمين بخصوص أهل بيت النبيّ (ص) مع الفارق الكبير بين المثَلَين، ولذلك دعا لوثر إلى ضرورة تبرئتهم ودعمهم وخدمتهم و”تطييب خواطرهم”، كما ورد في العهد القديم.
وهذه المقولة هي ما أصبح المسيحيون المتصهينون اليوم، يرددونه في المجتمع الأمريكي ويردّده كبار المسؤولين في الدوائر الحكومية والأمنية والإدارية وكذا الطبقة المثقفة، وأصبح النصارى اليوم بناءً على ما أدخله لوثر في العقيدة النصرانية من أن اليهود (أبناء الرب)، وهم يعتقدون بعد تحريف النصرانية في مؤتمر نيقة سنة 325م، أن المسيح هو الله والمسيحيون أبناء الله، فتشابهت عقائدهم في إثبات حقائق عقدية ليست من أصول التوراة ولا الإنجيل، وإنما هي من وضع الكتاب لأسباب يطول شرحها، والله عند اليهود إلهٌ قومي خاص باليهود فقط، وعند النصارى إله أقنومي من طبيعة بشرية، بينما هو عند المسلمين إلهٌ واحد خلق الجميع، وهو سبحانه كما وصف نفسه العليّة “وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم”.
أي: ليس إلها قوميا أو له شريك في الملك، وهو لذلك المستحِق للعبادة في السماء والأرض، والمسيحيون والصهاينة يعتقدون أن اليهود هم الشعب المختار ولا بد من قبول ذلك، والقول إن المسيحيين احتلوا تلك المكانة بمجيء المسيح قول غير صحيح. ولم يقبل المسيحيون الكاثوليك والأورثوذوكس ما ذهب إليه مارتن لوثر وأتباعه من البروتستانت، وظلوا يقاومون تهوّد المسيحية وتبرئة المسيح إلى غاية 1966م، حين برّأ الفاتيكان اليهود من دم المسيح في (المجمع الثاني)، بعدما تبنى الغرب نظرية استبدال المسيحية الصليبية بالصهيونية اليهودية، لتقارب مصالحهم الإستراتيجية والعدوانية على الشرق الأوسط.
يقول الدكتور محمد المختار الشنقيطي، نقلا عن الفيلسوف اليهودي (يشياهو ليبوويتز): “الديانة اليهودية ماتت، والهولوكوست هو الرباط الديني الوحيد الذي يجمع اليهود اليوم، كما نُقل عن أستاذة التاريخ بجامعة جورج تاون بواشنطن الدكتورة إيفون حدّاد –وهي تنحدر من أسرة مسيحية سورية- أن المسيحية لم يعد لها وجودٌ في الولايات المتحدة، بل استُبدلِت بها ديانة جديدة دعتها “ديانة الهولوكوست”، ويمكن أن نظيف إليها بنفس الاعتبار ديانة “معاداة السامية” لتبرير الجرائم الصهيونية.
لم تكن الحركة اليهودية في القرون الوسطى، تترك فرصة التقارب العقيدي بين اليهودية والمسيحية تضيع منهم، فكانوا يبحثون عن دعم مباشر لتحقيق حلمهم الطموح، وها هو الوقت قد حان والظروف أصبحت مواتية في القرن التاسع عشر لبناء تحالف استراتيجي بين الصهيونية والصليب الغربي، لذلك قدّموا أنفسهم كأداة طيّعة لخدمة الهيمنة الغربية الاستعمارية، ولما كان الغربيون يعلمون بمكائد اليهود ومكرهم وخبثهم ومشاكستهم وقدرتهم البارعة على تقمّص الأدوار الشيطانية واختراقهم كل محظور، فإنهم سمحوا لأنفسهم بالتقارب مع الحركة الصهيونية المتنامية لبناء تحالف استراتيجي قوي، يتصدون من خلاله -كقوة مؤثرة- لتقدُّم الزحف الإسلامي المتنامي بقيادة العثمانيين في الآستانة.
يقول الدكتور محمد المختار الشنقيطي، نقلا عن الفيلسوف اليهودي (يشياهو ليبوويتز): “الديانة اليهودية ماتت، والهولوكوست هو الرباط الديني الوحيد الذي يجمع اليهود اليوم، كما نُقل عن أستاذة التاريخ بجامعة جورج تاون بواشنطن الدكتورة إيفون حدّاد –وهي تنحدر من أسرة مسيحية سورية-أن المسيحية لم يعد لها وجودٌ في الولايات المتحدة، بل استُبدلِت بها ديانة جديدة دعتها “ديانة الهولوكوست”، ويمكن أن نظيف إليها بنفس الاعتبار ديانة “معاداة السامية” لتبرير الجرائم الصهيونية.
ولما كان اليهود متنفذين في دوائر الحكم العثماني بأشكال مختلفة، إذ وصل بعضهم ممن تظاهر بالإسلام إلى احتلال مراكز بارزة في هيكل الخلافة الإسلامية، فإنهم أحكموا الخناق على الخلفاء بالمؤامرات، والدسائس والاغتيالات السرية والادّعاءات الكاذبة، ولاسيما طائفة الدونمة التي ظهرت في القرن الـ17بمدينة إزمير التركية إذ مهدت للحركة الصهيونية، وكانت أول من دعا إلى إقامة دولة لليهود وعاصمتها القدس، وقد سيطرت هذه الطائفة على الاقتصاد والإعلام في الدولة العثمانية، ونشرت الأفكار الهدامة في المجتمع التركي وعملت على الإطاحة بالخلافة، ومصطفى كمال أتاتورك منهم، لذلك حمل عداء كبيرا للإسلام والمسلمين، فحارب كل المظاهر الإسلامية في تركيا، بعدما أسقط الخلافة واستولى على الحكم بدعم من الغرب.
نستطيع القول: إن الصليبية الاستعمارية التي فقدت صلاحياتها كأيديولوجية دينية، كان لها دور بارز في إدارة الصراع السياسي والحضاري المباشر، بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني، ففقدت ذلك الدور بسبب الإصلاحات الدينية في الغرب، فلما انتهى ذلك الدور استخدمت الصهيونية العالمية المتنامية في بلدانهم، كبديل عن الصليب لخدمة أهدافهم السياسية والأيديولوجية، لأن اليهودية تمتلك ما يسمّونه “الحق التاريخي في أرض فلسطين”.
.. يُتبع