التذوُّق .. هذا الغائب الكبير في أجيالنا الحالية
قد لا أكون مبالغا إذا أكّدتُ هنا ـ في هذه السطور ـ أن إحدى أكبر مشكلاتنا في التربية والتعليم في مختلف الأطوار، من الابتدائي …إلى ما بعد التدرج في الجامعات إنما هي فقداننا للقدرة على التذوّق، وأعني بالضبط ـ هنا ـ تذوّق الإبداع الأدبي في مختلف أشكاله: الشعر والسرد والمسرح وما يتبع… نجد هذا بوضوح تام في مدارسنا وثانوياتنا وجامعاتنا، فلم يعد ثمة ما يمكن أن يشير إلى وجود هذه المَلكة الجميلة الرائعة “ملكة التذوّق” التي تتمثل في عديد المظاهر والمجالات… حبّ الأدب، حفظ الشعر، قصائد ومقطوعات، استحضار الأشعار والأمثال والأقوال الجميلة الراقية في خطاب التلاميذ والطلبة، معرفة أعلام الأدب والفكر، وفرة المخزون القرائي في مختلف فنون الأدب والثقافة.
بل إن المصيبة أكبر بكثير عندما نجد أن طلابا في مستويات عليا (نسبيا) كالأولى أو الثانية ماستر.. لا يقتدرون ولا يقتدرن على قراءة نص شعري قديم أو حديث قراءة سليمة من الأخطاء، فضلا عن فهم معاني الألفاظ وفهم سياقات ومقاصد الشاعر. ونفس الأمر بالنسبة للنصوص النثرية لأدباء وكتاب في القديم أو الحديث أو المعاصر.
يعرفُ هذا بشكل جيد أساتذة الجامعات ويجأرون بالشكوى، كما يعرفُ ذلك أساتذة الثانوي وبشكل قريب منهم أساتذة المتوسط… ويبدعون في التوصيف والتشخيص لهذا الضعف المشؤوم الذي يلقي بظلاله على قطاع التعليم ويكاد يقتطع منه أجمل ما فيه وهو القدرة على الاستيعاب ثم التذوّق. والتذوق هو ما يحيا وينمو به الوجدان، ويتعاظم به معجم الألفاظ، ويكبر به مخزون الثروة اللغوية ليعلو به مقام التلميذ والطالب بعدئذ..
فماذا نصنع إزاء هذه المصيبة؟ وماذا يجب أن نعمل للخروج من هذا النفق الذي يجعل أجيالنا على هامش الجمال والذوق والنموّ السليم الصحيح للعقل والفكر والوجدان والعواطف؟.
ليس من الصعب أن نقف على ذلك العجز المؤسف في مجال التعبير لدى تلك الجموع الكبيرة من أبنائنا؛ تلاميذ وطلابا وطالبات، في مختلف التخصصات، وفي تخصصات العلوم الإنسانية والآداب خاصة… وإنما هذا الضعف في التعبير هو الوجه الآخر للضعف في الاستيعاب والهُزال في التلقي، ومن ثمّ الضعف والعجز في مجال “التذوق “كما سبقت الإشارة.
لا ريب أنها مشكلة لا بد لها من حل، بل من حلول إن أمكن؛ لأنها مشكلة مركّبة متعددة الأوجه تتصل بروح التعليم وهدفه الكبير ومحوره الرئيس؛ أي اكتساب القدرة على التذوق، الذي هو بشكل ما القدرة على العيش أي القدرة على الحياة.
كيف نستوعب حقائق الحياة، وجمال الحياة، وجمال الكون، وجمال الخَلق، وجمال كل ما يحيط بنا؟
كيف نستطيع عيش حياتنا على نحو إنساني جميل وبديع إن لم تكن لدينا هذه القدرة الإنسانية الخالصة الخاصة وهي القدرة على “التذوق”…؟
كيف نستطعم الحياة ونستلهم تجاريبها السعيدة والحزينة على السواء إن لم تكن لدينا قدرة على الوصول إلى “عمق” النصوص الإبداعية /الجمالية …مما أنتجه أهل الإبداع شرقا وغربا، قديما وحديثا …كيف لنفوسنا أن ترتوي وتستوي إن افتقدنا إلى هذه الوسيلة الفريدة في فهم وتفهّم وتذوق جماليات السرد في روايات نجيب محفوظ ونجيب الكيلاني وميّ زيادة وأحلام مستغانمي، وأشعار محمود درويش وأحمد مطر ويوسف العظم.. وسواهم من المبدعين والمبدعات. كيف؟
ادركوا هذا الجيل قبل أن يتحوّل إلى ….؟