التشريعات تعيد علاقة “حمس” بالسلطة إلى الواجهة
تشهد حركة مجتمع السلم تدافعا جديدا، قوامه موقع حمس من السلطة، بعدما طفا النقاش حول منجزات الطور الجديد ومكتسبات عهد المشاركة، ورّبما شدّت خيبات أمل الإسلاميين في أعقاب ثورات “الربيع العربي” من عضُد المعترضين على تخندق الحركة في معسكر المعارضة منذ 2012، ولذلك لم يتوقف رموز هذا التوجه داخل “حمس” وفي مقدمتهم رئيسها السابق، أبو جرة سلطاني، عن الدعوة لمراجعة الخط السياسي الذي أرساه مجلس الشورى وأكدت عليه المؤسسات المنبثقة عن المؤتمر الأخير، في مبادرات فهمها المتابعون على أنها محاولة للرجوع إلى “بيت الطاعة”.. فما جدية مثل هذه القراءات؟ وهل يمكن اعتبارها تجنّ على توجهات تيار ترك بصماته؟ وفي المقابل ما الذي قدمته القيادة الحالية لأبناء الحركة على هذا الصعيد طيلة السنوات الثلاث الأخيرة؟ وهل مصلحة “حمس” تكمن في القرب من السلطة أم في البعد عنها؟ أم في توجه ثالث يحفظ للحركة استقلاليتها ويحمي مصالح أبناءها؟ هذه الأسئلة وأخرى، سيحاول “الملف السياسي” لهذا العدد الإجابة عليها.
لم يتوقف عن إحراجه بـ “المفاجآت”
ماذا يريد سلطاني من مقري؟
يأبى الجدل حول الخط السياسي لحركة مجتمع السلم أن يتوقف بين الرئيس السابق للحركة، أبو جرة سلطاني، والقيادة الحالية التي باشرت توجها جديدا منذ اندلاع موجة ما عرف بـ “الربيع العربي”..
ولم يتوقف سلطاني، المعروف بمواقفه الداعية إلى الإبقاء على جسور تواصل مع السلطة، عن تقديم مبادرات تحمل تصورات كلها تنزع نحو حفاظ الحركة على خطها السابق، مثلما لم يتوقف عن القيام بـ “خرجات” كثيرا ما أزعجت مسؤولي “حمس” وعلى رأسهم رئيسها الحالي، عبد الرزاق مقري.
وهكذا تمظهرت “خرجات” سلطاني المثيرة للجدل تحت عدة صفات، تارة كقيادي سابق في الحركة (انتقاد بعض مواقف خلفه)، وتارة أخرى بصفته “شخصية وطنية” وليس ممثلا لـ “حمس”، وهو المبرر الذي ساقه خليفة الراحل محفوظ نحناح، للدفاع عن نفسه عندما شارك في مشاورات حزب جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس) حول مشروعه السابق (الإجماع الوطني)، خارج إرادة حزبه.
وكانت كل هذه “الخرجات” تجد ردودا صارمة وحازمة من قبل قيادة الحركة، التي وصلت في بعض الأحيان حد التهديد بإحالته على لجنة الانضباط في حال استمرت مناقشة مثل هذه القضايا خارج مؤسسات الحركة، الأمر الذي كان وراء حرص سلطاني على التقيد بهذا الأمر.
ولم تكن مواقف سلطاني المتكررة سوى تعبير عن توجهات تيار برمته داخل الحركة، لطالما مسك بزمام الأمور منذ عهد المؤسس التاريخي للحركة، غير أن هذا التيار خسر مواقعه المتقدمة منذ عام 2012، لذلك فهو ينافح من أجل استعادة المجد الضائع.
ويبدو أن الكثير من الأمور لعبت لغير صالح ما يعرف بأنصار التيار التقليدي (المشاركة في الحكومة)، بسبب حصيلة تبدو كارثية في نظر التيار الآخر الذي اعتلى زمام المبادرة منذ المؤتمر الأخير، وهي الحجة التي رفعوها لضرب غرمائهم وحققت لهم الهدف المرجو.
القيادة الحالية تضيف مبررات أخرى لرفض مبادرات سلطاني، فعلاوة على فشل خيار المشاركة، عدم نجاح سلطاني ومن كان معه، في الدفاع عن حقوق “حمس”، ليس فقط في تبوؤ حقائب وزارية على قدر من الأهمية، بل تعدى الأمر إلى أمور أخرى أخطر، كما يقول الغاضبون، وهي حدوث ممارسات تزوير خلال الانتخابات بشكل أضاع الكثير من إنجازات الحركة في مختلف الاستحقاقات التي شاركت فيها، حتى وهي عضو في “التحالف الرئاسي”، الذي قاد الحكومة لنحو عقد من الزمن.
ولعل المعطى الثاني هو الذي أضعف بشكل كبير سلطاني وأنصاره في المؤتمر الأخير للحركة، وقادهم إلى خسارة مدوية أخرجتهم من مراكز صناعة القرار، إن على مستوى الرئاسة أو مجلس الشورى الوطني، الذي اكتسحه أنصار مقري بشكل غير مسبوق.
وبعد مرور نحو ثلاث سنوات ونيف عن تبوؤ القيادة الحالية زمام المبادرة، يعتقد سلطاني ومن يقف إلى جانبه، أن التوجهات التي وضعها مقري قيد التجسيد، جلبت الكثير من المتاعب للحركة، وهو ما يرجح إقدام سلطاني على عنونة مبادرته الأخيرة: “دفاعاً عن المناعة السياسية لحركة مجتمع السلم”، فيما اعتبر الرجل الثاني في الحرس القديم، عبد الرحمن سعيدي “هذه المبادرة مقاربة سياسية جديدة، هدفها تقييم حصاد الحركة خلال ثلاث السنوات الأخيرة”.
وفي المقابل، لا يبدو أن القيادة الحالية منزعجة من هذه “الخرجات” المتكررة، ولا خائفة على مصيرها، ويؤكد هذا ما جاء على لسان مقري: “نحن منفتحون على أي مبادرة، ولكن المؤسسات هي التي تفصل فيها”، ولعل هدوءه هذا مستمد من تأكيد “كل دورات مجلس الشورى الوطني منذ المؤتمر (الأخير) إلى الآن على جدية هذا التوجه”.
نائب رئيس حركة مجتمع السلم نعمان لعور
مستعدون لتوافقات مع السلطة لكن بشروط!
في تطور لافت، قال نائب رئيس حركة مجتمع السلم، نعمان لعور، إن الحركة، مستعدة للدخول في توافقات مع السلطة بشأن بعض القضايا السياسية لكن بشروط، ودعا لعور في حوار مع “الشروق”، الرئيس السابق للحركة، أبو جرة سلطاني إلى احترام مؤسسات الحركة، وذلك بطرح مبادراته داخل الأطر القانونية وعدم الذهاب بها بعيدا عن مؤسسات الحركة، واحترام ما تقرره هذه الأخيرة.
ماذا تخفي دعوات أبو جرة سلطاني المتكررة بمراجعة الخط السياسي للحركة؟
بالنسبة إلى دعوات الرئيس السابق للحركة، نحن نصنفها في خانة إبداء الرأي فهو حر فيما يقول ولا يمكننا منعه من الحديث، رغم أن موقفه ليس جديدا علينا، وسبق له أن عبر عنه، في حديثه إلى وسائل الإعلام، لكننا نؤمن بأن القرارات تتخذ في المؤسسات وليس خارجها، وإذا كان أبو جرة سلطاني، يريد تغيير نمط الحركة -كما يقول- فما عليه إلا التوجه إلى مؤسسات الحركة، المتمثلة في مجلس الشورى، وليس الرأي العام، ونقول له إننا لسنا متشيعين لأي رأي كان.
إذن، علام يعتمد سلطاني في طلبه هذا، وما رهاناته في نظركم، طالما أن مؤسسات الحركة هي التي رسمت الخط الجديد؟
هذا السؤال يمكن لسلطاني الإجابة عنه، لأنه هو صاحب المبادرة، وله أن يقول لكم ما هي رهاناته بالضبط، لكن رغم ذلك نحن نؤكد له أن أبواب حركة مجتمع السلم تبقى مفتوحة للجميع وترحب بكل مبادرة تهدف إلى مصلحة الحركة، ونعتقد أن أفضل طريق وأسلمه، هو الرجوع إلى المؤسسات واحترامها، ونحن نعتقد أن كل الطرق الأخرى غرضها “الإرباك” فقط.
في هذا السياق بالذات، كيف هو الانطباع العام داخل مؤسسة الحركة إزاء هذه الدعوة التي طرحها سلطاني؟
نحن في حركة مجتمع السلم، نعتقد أن احترام المؤسسات واجب، وسلطاني يعرف ذلك جيدا لأن النقاش بخصوص كل القرارات والمبادرات يتم على مستوى مجلس الشورى، الذي يبقى وحده الجهة المخولة للفصل في كل الانشغالات والقرارات ليتم في النهاية ترجيح ما فيه مصلحة عامة، سواء كان ذلك لتشكيلتنا الحزبية ومناضلينا أم ما فيه خير لبلادنا.
برأيكم، هل ما زال قرار مجلس الشورى صالحا بعد نحو 5 سنوات من إقراره؟
الشورى فيها بركة، ومادمنا نتناقش ونتشاور ولا نحاول لي الأذرع لبعضنا البعض، هذا الأمر لا يقلقنا تماما، فلما نتكلم عن مجلس الشورى فإننا نتناقش حول موضوع معين ونخرج بقرار موحد، ومجلس الشورى يضم خيرة رجال “حمس”، وهم أصحاب تجربة من كافة الولايات وهم من الذين يأخذون على عاتقهم مصلحة الحزب والجزائر، فالأهداف عندنا ثابتة كالقيم ولكن الوسائل هي المتغيرة، ويتم النقاش حولها، ونعتقد أن المشاركة في الحكومة وسيلة وليست غاية إطلاقا.
هل هذا يعني أنكم مستعدون للدخول في توافقات معينة مع السلطة على ضوء التشريعيات المقبلة المقررة سنة 2017، وذلك لنزع هذه الورقة من يد أبو جرة سلطاني؟
لا ننظر إلى السلطة كعدو لنا بل هي موجودة ومطلوب التعامل معها، لكن التعامل يكون وفق مصلحة الحركة والبلاد، وكما يعلم الجميع حاولنا الإصلاح من الداخل عندما كنا في التحالف سنة 2012 وكنا طرفا في الحكومة، وعندما وجدنا أنفسنا لا نستطيع التغيير من الداخل انسحبنا وقررنا اللجوء إلى صيغة أخرى، وهي التعامل مع السلطة من الخارج لإصلاح ما يمكن إصلاحه.
حركة مجتمع السلم ستكون مستعدة للدخول في توافقات مع السلطة عندما تكون للأخيرة مشاريع فعلية للإصلاح، عبر احترام الحريات، والتفاوض على الانتقال الديمقراطي السلس، والمحافظة على ثوابت الأمة، لكن نحن غير مستعدين للمشاركة في الفساد والغلق السياسي الذي تتبناه السلطة حاليا.
ونعني بالتفاوض أن يكون هناك ملفات واضحة تكون لخدمة الوطن، لأن حمس لا تزال تعمل وفق نهجها ولأجل استقرار وأمن البلاد، وبطريقة أخرى نقول إن التفاوض يكون في حال توفر الإرادة السياسية فقط.
رئيس مجلس الشورى سابقا عبد الرحمان سعيدي
نرفض اتهام أبو جرة بتقسيم الحركة أو العمالة للسلطة!
شدّد رئيس مجلس شورى “حمس” سابقا، عبد الرحمان سعيدي، على أنّ مقاربة أبو جرة سلطاني “واقعية ومنطقية” بالنظر إلى جملة التحولات التي تعرفها الجزائر والمنطقة، رافضا تأويل مقاصدها، أو رمي صاحبها بتعريض الحركة للتقسيم أو العمالة لأي جهة خارجية، بل يبدو الرجل واثقا من أنها ستجد صداها داخل مؤسسات الحزب إن آجلا أو عاجلا.
تحفظ الشيخ “أبو جرة” حتى الآن عن الخوض في مضمون المقاربة التي يطرحها، فهل برأيكم تتعلّق بتقييم مسار الحركة منذ خروجها من الحكومة؟
عند اطلاعي على المقاربة السياسية التي تقدم بها الشيخ أبو جرة في شهر نوفمبر الفارط للمكتب الوطني، وفي انتظار مبادرته القادمة، فقد حملت مقاربته قراءة جديدة للواقع السياسي الجزائري برؤية مستجدة، تأخذ بعين الاعتبار التحولات التي عرفتها الجزائر والمنطقة العربية بعد الربيع العربي، وما أفرزه من وضعيات سياسية مغايرة لما كانت عليه الأوضاع التي جرى فيها المؤتمر الخامس للحركة، وما نتج عنه من مسار سياسي.
وهذه المقاربة ليست تحليلا مجردا من استنتاج سياسي وتصورات في المشاهد السياسية المرتقبة، بل تحمل ما يدفع الحركة إلى إعادة النظر في كثير من المواقف، وإعادة قراءة الواقع السياسي الحالي، وفق مستجداته الداخلية والخارجية، وكذلك ما آلت إليه الوضعية السياسية في الجزائر، بعد تقييم المسار السياسي بكل موضوعية وواقعية، دون القفز على الحقائق التي نعرفها جميعا.
البعض يختصر “المقاربة” في السعي إلى إعادة الحركة إلى الحكومة، هل فعلاً ذلك هو جوهرها؟
المقاربة لم تشر لا من قريب ولا من بعيد، لا تلميحا ولا تصريحا، إلى موضوع العودة إلى الحكومة، بل تحدثت عن استرجاع الدور الريادي للحركة في الاقتراح وطرح المبادرات السياسية، وأداء سياسي يعتمد على الدفع نحو الإصلاح والتنمية، ومثل هذا الاعتراض القديم المتجدد مع كل فترة، يظهر فيه رأي مخالف أو منتقد أو متحفظ، يجعلنا نغفل عن الذهاب إلى جوهر الموضوع، ولا نمعن النظر في حقيقة وضعنا السياسي والتنظيمي ومدى قدرتنا على الحضور السياسي في الاستحقاقات القادمة.
هل تحقيق الدور الريادي مرتبط بمراجعة الخيار أم المسار، لأن كلامكم الآن يفهم على أنكم تعترضون على ضعف الأداء وليس على التوجه في ذاته؟
أوضح مرة ثانية أن مفهوم العودة إلى مواقع القرار ليس مقصودا به الحكومة، لأنّ هذا الأمر ليس بأيدينا أصلا، وأذكّر هنا بأنّ الحركة يوم اختارت رفقة أحزاب التحالف الأخضر أن تعود إلى هياكل الغرفة السفلى رفضت الأغلبية ذلك، لكن النقاش يتركّز على فقدان الدور الريادي للحركة، لقد كانت “حمس” تحبس أنفاس الساحة يوم مثّلت شعرة ميزان في المشهد السياسي، أما اليوم فهي عاجزة عن هذا الدور، وشعارات القاطرة في قيادة المعارضة تبخّرت، لأنّ الأخيرة تراجع زخمها بين “مزافران” وزرالدة بشهادة أطياف التنسيقية، حتى أضحت فضاء غير مجد، هذا يعني أن الأهداف الإجرائية والسياسات لم تحقق الهدف الأساسي، فما المانع من مراجعتها وتغييرها بغضّ النظر عن الموقع.
الخرجات المتكرّرة توحي بتوسع دائرة المؤيدين لمراجعة خطّ الحركة، لكن في المقابل، تصرّ قيادتها على أن حمس تعرف انسجاما غير مسبوق؟
الحديث عن الانسجام مسألة نسبية وتقديرية عند الأفراد والهيئات، والعبرة في سير المؤسسات بالتوافق الذي يستوعب الاختلاف والتنوع في الرأي، أما الانسجام المطلوب فيكون على مستوى الاحترام وحرية الفرد وحقوق الإنسان والكرامة الشخصية والتنظيمية والسياسية المصانة وندافع عنها، وهذا هو جوهر الانسجام.
هل تتوقعون أن تجد أفكار “أبو جرّة” صدى داخل مؤسسات الحركة، لا سيما إذا تغيّرت المؤشرات الانتخابية في 2017؟
الأفكار التي هدفها خدمة المصلحة الحزبية والصالح العام تجد صداها الإيجابي، ويتفاعل معها الناس آجلا أم عاجلا، ولو أنها تمر في مرحلتها الأولى بفترة سوء الفهم وبعض الغموض، ويحيطونها بشيء من التأويلات المغرضة، يريدون صرفها عن مقصدها، بجملة من الاعتراضات الوهمية في صيغة التحذير من الانقسام والعمالة لجهة خارجية وغيرها، ولكن مع الوقت، سيقف الجميع أمام حقائق لا مناص منها، ويعلمها الجميع بدرجات متفاوتة، وهذه المقاربة ستجد طريقها إلى المؤسسات، وهذه هي وجهتها الصحيحة.

