التشريعيات.. “ثورة تحريرية” لإبعاد التدخل الأجنبي واستهداف السيادة الوطنية
شبّه رئيس الجمهورية الانتخابات التشريعية المقبلة بالثورة التحريرية، التي اقتلعت جذور الاستعمار الفرنسي من الجزائر، في موقف غير مسبوق، يكشف مدى أهمية هذه الاستحقاقات، بالنظر لتداعياتها المحتملة على مستقبل البلاد.
الرئيس بوتفليقة وفي خطابه الذي جاء بمناسبة الذكرى المزدوجة لإنشاء الاتحاد العام للعمال الجزائريين وتأميم المحروقات، توقف عند محطتين بارزتين لهما أكثر من دلالة، أولاها تشبيهه موعد العاشر ماي المقبل بثورة أول نوفمبر، وثانيها دعوة الجزائريين للتغيير، في موقف لافت يصدر لأول مرة عن رئيس عربي لايزال في سدة الحكم.
يقول بوتفليقة: “الإنتخابات التشريعية القادمة فرصة تاريخية لا تقل أهمية عن ثورة أول نوفمبر 54.. هي ليست كغيرها من الاستحقاقات السابقة، بل موعد انتخابي فاصل بين عهد وعهد آخر.. الوقت وقت جدّ، وصعب، ولم أقل عبثا إنه لا يقل أهمية على أول نوفمبر 1954”. وعندما يتحدث عن إرادة التغيير يقول: “من هو ضد يقول أنا ضد، ومن هو مع، يقول أنا مع، لكن لا نترك الأمور تسير لوحدها ونتركها لمن يلففها ويقول للكعبة رب يحميها. إذا أردتم الإصلاح والتغيير، غيّروا الأمور“.
وتتقاسم الثورة التحريرية والانتخابات التشريعية المقبلة، وضعا يطبعه الجمود والاحتقان، ففي الخمسينيات كان الاستعمار الفرنسي الغاشم، جاثما على رؤوس الجزائريين بقوة السلاح، وقد جاءت الثورة التحريرية مخلّصة من الخوف والجوع، أما التشريعات المقبلة فتأتي بعد نصف قرن عن الاستقلال، غير أنه ومع ذلك لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من تحقيق أحلام الجزائريين وطموحاتهم التواقة نحو الحرية والديمقراطية وظروف معيشية أحسن.
وعندما يتحدث رئيس الجمهورية عن التغيير، فإنه يدرك أن التحول آت لا محالة، وأن للتحول مخرجين، إما عن طريق الثورة، مثل ما حدث في بعض الدول التي اجتاحها الربيع العربي، وإما عن طريق التغيير السلمي الهادئ، وهذا يبقى ممكنا وقريبا جدا، إذا عرف الجزائريون كيف يستغلون فرصة العاشر ماي المقبل.
ولعل هذا ما عبر عنه القاضي الأول بقوله: “إذا نجحتم في هذه الانتخابات، عفاكم الله مما هو مخفي، وإذا لم تنجحوا فمصداقية البلاد في الميزان.. نحن نعيش في عالم عسير جدا على الجميع، ولا بد الأخذ بعين الاعتبار هذه المعطيات الجديدة والتأقلم معها حتى لا تلتهمنا”، يقينا منه بأن الجزائر توجد في مفترق الطرق، لاسيما وأنها تبقى الدولة الوحيدة في شمال إفريقيا، التي لايزال فيها التغيير الهادئ، يسير بخطوات ثقيلة، تحاصره التحديات من كل الجهات، فيما تتجه الأمور في الجارتين القريبتين، تونس والمغرب نحو الاستتباب.
خطاب الرئيس بدأ وكأنه ثورة هادئة ضد كل من يريد الحفاظ على الواقع الراهن بسلبياته العديدة، بل إنه لم يتوان في دعوة الجزائريين إلى معاقبة كل من أوصل البلاد إلى ما هي عليه من انسداد، أو كما قال: “الانتخابات هي الاختيار الجيد الذي يضع كل واحد في المكانة التي تليق به وتليق بكم”، والسؤال الذي يتبادر هنا إلى ذهن كل جزائري، هو: هل إن الرئيس اقتنع بأن التغيير الذي ينشده، لا يمكن أن يمر عبر فوز جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، في الانتخابات التشريعية المقبلة؟ من منطلق أن هذين الحزبين مسؤولان عن الوضع الذي آلت إليه البلاد، منذ أزيد من 15 سنة، ولذلك جاء تحذيره من التزوير حاسما وحازما: “ليس لأحد الحق في التلاعب بمصداقية البلاد واستقلالها. إن الحرص على رسالة الشهداء وحياة الأحياء، يمر عبر تجنيب الجزائر التدخل الأجنبي في شؤونها“.