التقليد “الأعور”
رائع جدا أن تقلّد الدولة الجزائرية بقية الدول الصحّية الكبرى، في حملة الحماية من مرض الموسم وقد يكون مرض العصر، “كورونا” القاتل الزاحف نحو كل قارات العالم، وأن تسير على نفس الدرب العالمي توجّسا ووقاية وإن سنحت التكنولوجيا، علاجا. ورائع جدا أن يهتم الجزائريون بالمرض العابر للقارات، من خلال الوقاية وتبادل للنصائح والمعلومات عبر الفضاء الأزرق، وإن سنحت الفرصة تقديم جهد علمي، لأجل الأبحاث الجارية حاليا لمعرفة حقيقة هذا الفيروس الذي أرعب العالم وأجبر سكان قرى ومدن في كل قارات العالم على أن يقرّوا في بيوتهم خوفا من العدوى، أو خوفا من المجهول.
من الطبيعي أن نحمل مطارياتنا بعد أن تهاطل المرض مدرارا في الصين وإيران وإيطاليا، وظهرت غيومُه الكثيفة في العديد من بلاد المعمورة، ومجرد السير على خطى بلدان مشهود لها بالتطور في ميدان الطب والصحة العمومية هو في حد ذاته تقدمٌ إلى الأمام، لكن ما يحيّر فعلا هو أن التقليد توقف عند وباء “كورونا” الذي أصاب في الصين، ولم يهتم أحدٌ بالأمراض الفتاكة التي قتلت في الجزائر، وبقيت بعيدة عن العين وعن القلب.
يموت الجزائريون يوميا بأمراض القلب والشرايين والضغط والسكري والسرطان والكلى… وعجز جزائريون عن إيجاد دواء أصلي أو مستشفى مثالي أو ممرضة مبتسمة في وجه طالبي العلاج، فيحملون حقيبتهم المليئة بالأوجاع الجسدية والمعنوية، ويسافرون إلى الأردن أو تركيا أو تونس بحثا عن العلاج، ويتوالى حَمَلة حقيبة الصحة في الجزائر ويتشابهون في عجزهم عن رسم خارطة صحية حقيقية تسدّ الطريق في وجه هذه الفيروسات والأورام الخبيثة التي تزحف على الجزائر وتقتل بأرقام تتصاعد على طريقة المتواليات الهندسية.
لقد أنجزت الصين مستشفياتٍ في ظرف أيام قليلة، وأنجزت المستشفيات الأمريكية أقساما بالكامل خاصة بكورونا، وتمكنت دول أسكندنافية من إقحام المرض الجديد ضمن المقررات الدراسية القديمة ومنهج علم الطب، ومازلنا نلوك ما بناه الاستعمار من مستشفيات، ولا نقدر عن إنجاز منظومة صحية قريبة المدى ولا نقول متوسطة أو بعيدة المدى.
من غريب ما سمعناه، أن مسؤولا كبيرا في الصحة، نفى بـ”فخر” أن تكون سيدة توفيت في أحد المستشفيات الجامعية بوباء كورونا، وقال بـ”فخر” بأن سبب الوفاة كان مجرد أنفلونزا عادية، وبشّر الناسَ بأن كل الوفيات التي حدثت، وظن الناسُ بأنها بسبب كورونا، كانت مجرد أنفلونزا موسمية، وحمد الله وشكره لأن كورونا لم تدخل، ولم يندب حال الصحة عندنا عندما يموت الناس بالأنفلونزا العادية، ولا أحد طالب بحملة وقائية كبرى للقضاء على الأنفلونزا الموسمية التي صارت تجرّ الناس إلى الخطر، كما تجرُّهم التسمُّمات الغذائية ولدغات الأفاعي والعقارب والاختناق بالغازات وغيرها من المآسي التي تحتاج إلى حالة طوارئ وليس حالة وقاية عابرة، تقليدا لما تفعله بلدان العالم، حتى لا يبقى تقليدنا لهم أعور، يُبصر بعين مرضاً، ويغمض الأخرى عن بقية الأمراض.