-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الإدمان والانتحار والتنكيل بالجسم من أهم آثاره

التنمر يغزو الوسط المدرسي

نادية سليماني
  • 2502
  • 1
التنمر يغزو الوسط المدرسي
أرشيف

السّخرية والاستهزاء والتحرشات، نشر الإشاعات الكاذبة والضرب.. جميعها سلوكيات سلبية تصب في نطاق “التنمر”، ويزيد أمرها سوءا، في حال كان ضحيتها أطفال. وقد أخذت الظاهرة منعرجا خطيرا في الوسط المدرسي، قادت أطفالا إلى تعاطي المخدّرات والانتحار، هربا من “التنمر”، فكيف تواجه الأسرة والمدرسة هذه الظاهرة الزاحفة على مجتمعنا؟
أفرز التطور الذي يعرفه مجتمعنا، سلوكات انعكست سلبا على المحيط المدرسي، ولعلّ أبرزها ظاهرة التنمر، التي تُعرّف على أنّها السّخرية من شخص بسبب شكله أو لونه أو لهجته أو شخصيته، إذ يواجه الضّحية استهزاء كبيرا من فرد من أطفال في سنّه، يدخله في دوامة الاكتئاب والانعزال عن المجتمع، وانتهاء بالانتحار أو ارتكاب جرائم خطيرة، تصل حدّ القتل.
ولأن الأمراض النفسية، ليس لديها أعراض جسدية محددة، فلابد للعاملين بالوسط التربوي خصوصا، الانتباه لهذه الحالات التي يتعرض لها المتمدرسون.

جروح الجسد قد تكون من علامات التنمر
وفي هذا السياق، نظمت المؤسسة العمومية للصحة الجوارية، بوزريعة، يوما تحسيسيا حول الصحة العقلية، تحت عنوان “التنمر”، وكانت مداخلات المختصين جد مهمة. وبحسبهم، يجهل كثير من الأولياء تعرض أبنائهم المتمدرسين إلى التنمر، فيتركونهم عرضة لهذه الآفة. ولذلك، تنصح المختصة في علم النفس، سعيدي زهرة، بمراقبة أعراض معينة تظهر على الطفل، تدل على أنه ضحية تنمر.. ومنها تغيرات تظهر في شخصيته، إقدام الطفل على جرح جسده في أماكن مخفية لا يلحظها الوالدان، فعندما يرى سيلان الدم يشعر بالارتياح. ولذلك على الأم مراقبة جسد طفلها بشكل شبه يومي.

الانتحار والمخدرات.. هروب من التنمر!
ويلجأ الطفل كذلك إلى الانعزال عن أسرته، مع تفكيره في أمور غير عادية، بحيث يُردد مرعوبا: “راهم حابّين يقتلوني، ويكرهوني..”، وغيرها من عبارات تدلّ على خوفه الشديد” ويُصاب بقلق مُفرط، يجعله عدوانيا، فيقدّم مثلا على تكسير الأواني أو التلفزيون أو ضرب غيره، مع حديثه عن الانتحار. وفي هذا الصّدد، روت المختصة قصة فتاة توفيت بعد تناولها كمية كبيرة من الأدوية بسبب تعرضها للتنمّر من أصدقائها.
ويعتبر استهلاك المواد المخدرة، وخاصة في مراحيض المتوسطات، بحسب المختصة وجها آخر من أوجه التنمر، حيث قالت “تلاميذ في 15 سنة يلجؤون إلى شمّ مواد يصنعونها يدويّا، لغلاء المخدرات.. وكثيرا منهم يحضرونهم إلينا وهم في حالة صعبة” على حد قولها.
ونصحت المختصة بالتوجه نحو العلاج النفسي بمختلف أشكاله، مثل التحليل ومقابلات الدعم النفسي، العلاج السلوكي والمعرفي الذي يعطي نتائج مبهرة، إضافة إلى العلاج بالأدوية، خاصة في حالات الاكتئاب الشديد، القلق والرّهاب الاجتماعي والوسواس القهري.
وبدورها، اعتبرت المختصة النفسانية بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية بوزريعة، اينال سعاد، أن أسوأ ما يتعرض له الطفل في المدرسة، هو التنمر، سواء على ملابسه أم لهجته أم شكله، وهو ما يجعلنا ندق ناقوس الخطر، لأن التنمر يأخذ أشكال مختلفة، من ترهيب واستقواء على الغير.

وسامته كانت سبب اكتئابه
وقدّمت المتحدثة عدة قصص صادفتها أثناء مسارها المهني، ومنها طفل في 13 من عمره، كان عرضة لسخرية زملائه بسبب وسامته، بحيث كانوا يعيّرونه بشبهه الكبير بالفتاة.
الطفل وبحسب ما روته والدته، تأثّر كثيرا، وحاول إظهار رجولته، عن طريق تطويل شاربه، وحلق شعره. وانتهى به المطاف بتراجع تحصيله الدراسي، ثم تحويله نهائيا من تلك المدرسة.
وتقول المختصة، بأنّ الطفل الذي يتنمّر على أقرانه كان ضحية تنمّر في يوم ما وهو شخص يعاني إهمالا أسريا، ويعامل بعنف في أسرته، ولا يشارك في الحوارات العائلية. وأضافت “التربية الخاطئة للأطفال، تجعلهم متنمّرون، بحيث يحاولون لفت الانتباه إليهم بالخارج، وصُنع مكانة لهم، والظهور بمظهر القوي والمسيطر على زملائه”.

تلاميذ يتعرضون للضرب ولا يتكلمون
وبدورها، عدّدت المختصة، الأعراض التي تظهر على ضحايا التنمر، وأهمها تراجع العلامات المدرسية والمستوى التعليمي وفقدان أو زيادة شهيته، التكلم بعنف مع عائلته، الأرق والكوابيس الليلية، وجود علامات ضرب بجسده، وقالت: “مرة، أحضرت لي والدة ابنها مصابا بخدوش في جبهته، قال إنها بسبب سقوطه من شجرة، وبعد الضغط عليه اعترف بتعرضه للضرب من زملائه”، إضافة إلى التفكير في الانتحار. وذكرت قصة فتاة في 15 من عمرها، تناولت كمية كبيرة من الأدوية بغرض الانتحار، بسبب التنمر على بدانتها، ونجت الفتاة بأعجوبة لتتجه بعد ذلك نحو العلاج النفسي، أمّا الفئات الأكثر تعرضا للتنمر، فغالبا هم الأطفال المنعزلون، ضعيفو البينة الجسدية، منعدمو الثقة في نفسهم، وذوو الشخصية الضعيفة، وأيضا الأشخاص سريعو الاستفزاز وكذا التلاميذ النجباء.

سخر من لون ولهجة زميله
وذكرت إينال، قصة تنمر تعرض لها طفل من ولاية جنوبية، انتقل للدراسة بالعاصمة، حيث سخر زميله من لهجته ولون بشرته، لإضحاك زملائه. الضحية أخبر معلمه ومدير المدرسة، اللذين استدعيا ولي الطفل المتنمر، وتم اكتشاف أنه ضحية طلاق والديه، وبعد خضوع هذا الأخير للعلاج رفقة الضحية أصبحا في نهاية المطاف زميلين مقرّبين.
طفل آخر “م، ك” نشأ في أسرة تتحكم فيها زوجة الجد، فكانت تنعته بصفات بشعة، وهو يرد عليها الشتيمة، فتحول إلى شخصية عنيفة، يتسلط ويضرب زملاءه في المدرسة، رغم أنه تلميذ مجتهد. وبمساعدة من معلمة اللغة الفرنسية، خضع للعلاج النفسي لدى المختصة.

ينتظرونه أمام المدرسة لسرقة أغراضه
طفل آخر في الخامسة ابتدائي، عانى من ظاهرة التنمر بصمت ففقد شهيته، ولم يعُد مرحا كعادته، ويوما ادّعى تضييعه للوحته الإلكترونية، ما جعل والدته تتبعه خفية إلى المدرسة، لتتفاجأ بابنها محاطا بمجموعة أطفال، وهم يفتشون ملابسه، وعندما أنجدته، هرب المعتدون، وهم يتوعّدون الضحية بالضرب.
وأعطت المختصة، 10 طرق لتعزيز الطفل ضحية التنمر الثقة بنفسه، وهي تشجيعه وتحفيزه على النجاح، عدم مقارنته بالآخرين، منحه بعض الحرية لاتخاذ قرارات تخصه، تشجيعه على بناء صداقات، تعليمه مهارات تجعله متميزا، عدم إفشاء أسراره.
كما نصحت المختصة، المعلمين، بإظهار السيطرة والتحكم في سير أمور التلاميذ، وأن يظهر لهم قدرته على حل مشاكلهم من غير الدراسة، وحمايتهم. وتحفيزهم على حسن السلوك بمكافآت وهدايا. كما يتعين على المعلم، منح فرصة للطفل المتنمر، ليروي الحادثة كاملة، مع عرضه على أخصائي نفسي.

جروح التنمر تبقى غائرة في النفس
وركز المستشار النفسي والأسري، محمد فليسي في مداخلته، على أن أعراض التنمر تبقى جروحها غائرة في النفوس، وترافق الأشخاص حتى كبرهم. “فالوالد الذي يجبر أبناءه على الالتحاق بالجيش مثلا، عانى من الحقرة والاضطهاد في صغره، والشخص الذي كان زملاؤه يسخرون من تأتأته في الكلام، يختار مهنة المحاماة”.
وبحسبه، فإنّ المواقف التي تصاحبها مشاعر معينة، تبقى راسخة في ذاكرتنا، فمثلا بعض الأشخاص لا يتذكرون ماذا تناولوا البارحة، لكنهم يسترجعون وبـأدق التفاصيل يوم وفاة أمهاتهم، وهم صغار.
وقال أيضا بأن التنمر، ظاهرة عالمية و”موضة” مستفحلة، وساهمت الرقمية في انتشارها أكثر “فظهر ما يسمى صفحات الميمز، وهي مختصة في نشر أخبار وأسرار الغير.. إذ بتنا نصنع ابتسماتنا على جروح الغير”.
وتطرق المتحدث إلى ظاهرة الكاميرا المخفية، المعتمدة على إضحاك الناس من خلال السخرية من الضيوف، وهذا ما يرسخ في عقل الطفل والمراهق، أن الضحك والفرح يأتي بالسخرية من الناس، وهذا تنمر.
وذكر بأن مجتمعنا يستعمل عبارات هي في الأصل ترسخ للعنف، على غرار “نقتل الوقت، اليوم جابولنا بومبة..” كناية عن الشيء المميز.. وهذا ما يرفع مستوى التنمر في المجتمع، كما أنّ ارتفاع مستوى المعيشة، جعل الأفراد يتنمرون على بعضهم، سواء في نوعية الملابس، وماركة الهواتف، وحتى في الأكل “إذ نجد صورا لأشهى الأطباق منشورة في فايسبوك، أما من يتناول مثلا بركوكس فيخجل من نشر صورة طبقه، مخافة التنمر عليه”.
ودعا المتحدث إلى تفادي تكرار عبارة “المربي من عند ربي”، لأن تربية الأطفال أساسها رعاية واهتمام الأسرة ثم المدرسة. وأيضا نصح الأولياء بتجنب مناداة أبنائهم بما لا يحبون سماعه خارجا مثل “يا طويل، يا القصير، ويا سمينة..”.

أخطر ما في التنمر.. استسلام الضحية
وكشف فليسي أن أخطر أمر في ظاهرة التنمر، هو استسلام الضحية، وهو ما يفقده ثقته في نفسه لاحقا. ومن السلوكات السلبية للوالدين، الحماية الزائدة لأطفالهم ومنعهم من اللعب في الشارع، بحجة حمايتهم وهذا سلوك خاطئ، فعلى الطفل التعود على رؤية الأشخاص والتفاعل معهم ومواجهة بعض المخاطر، حتى يتمكن من المواجهة مستقبلا.
وذكر بأن الطفل هو من أقوى الشخصيات، “فهو لا يخجل من أي شيء ويطلب أي شيء، ينام متى يريد، ويتكلم مع من يريد، يضحك ويبكي في أي وقت.. إذ ليس لديه أي عقدة من المجتمع”.
وقدم المتحدث، طريقة عملية لتعليم أطفالنا مواجهة زملائهم المتنمرين، وهي عبارة عن تبادل للأدوار، بمعنى أن يمثل أحد الوالدين مع طفله لعبة متنمر وضحيته، إذ يتنمّر الوالد على الطفل بعبارات مختلفة، ويرصد ردود ابنه، ويعلم طريقة الرد الصحيحة. وأفضل طريقة للرد على المتنمر هي تجاهله، سواء بالضحك عليه، أم بالبرود التام، أم مدحه حتى يخجل من نفسه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • Rivana

    ان التنمر ظاهرة خطيرة ولا يفهمها الا من عاشها 🤍🥰 ولكن قبل كل شئ يجب على الوالدين تربية ابنائهم على تجيني هذا السلوك ...