الثانية..الثانية فقط!
حتى نفهم بعض خلفيات الضغط النفسي والرياضي، وحتى السياسي، الذي أحاط ويحيط بالمباريات بين المنتخبين الجزائري والمصري، وتأسيا بالمثل العربي القائل “إذا عرف السبب بطل العجب”
-
وقول الشاعر”لكل شيء إذا ما محصت أسبابه.. فليس إلا مع الدق مفتاح الباب”، نورد هذه المحطات.
-
في 1975، أي ثماني سنوات فقط بعد الاستقلال نال الفيلم الجزائري “وقائع سنوات الجمر” سعفة كان الذهبية، جائزة مرموقة لم تحظ بها السينما المصرية رغم ما لا يقل عن ثلاثة أرباع القرن من الوجود. وفي نفس السنة ظفرت الجزائر الفتية جدا بذهبية كرة القدم في ألعاب البحر الأبيض المتوسط، وبعدها بسنة نالت مولودية الجزائر كأس إفريقيا للأندية البطلة بعد تأهّلها إلى النهائي على حساب الأهلي المصري العريق، قبل أن تعتلي نفس الجزائر الفتية لعشرية كاملة سقف المنافسة القارية في كرة اليد، تأخذ المرتبة الأولى بالضرورة ويتنافس غيرها على المراتب الأخرى.
-
هذه الجزائر التي لم يتخّلص فمها بعد من أسنان الحليب تتأهل في 82 إلى نهائيات كأس العالم وتهزم في أولى مبارياتها المارد الألماني، وكانت قد سطعت نجما في سماء الدبلوماسية العالمية، تصول وتجول، فترأس الجمعية للأمم المتحدة وتدفع بوفد نظام بريتوريا العنصري إلى الانسحاب، قبل أن تمكّن قائد الشهيد أبو عمار من اعتلاء منبر المبنى الزجاجي بنيويورك، لتكتشف البشرية بأن للشعب الفلسطيني لسان وقضية وكرامة وأرض.
-
وعملا بمبدأ “الأقربون بالمعروف”، اقتحمت الدبلوماسية الجزائرية، التي يقودها شباب يافعون لا يتجاوز أكبرهم سنا العقد الثالث، أدغال إفريقيا تدعم حركات التحرّر فيها وتعجل باستقلال بلاد منهوبة وشعوب مقهورة.
-
وحين اعتقدت مساحة شاسعة من هذا العالم، في بداية التسعينيات، بأن نجم هذا البلد سيأفل بسرعة كما سطع بسرعة، جاء فنانون جزائريون ليأخذوا على عاتقهم مهمة إيصال الموسيقى العربية إلى العالمية، فكان الشاب خالد وكان مامي وكانت رائعة دحمان الحراشي “يا الرايح” بصوت رشيد طه.
-
لنضع أنفسنا لحظة في مكان ذاك المصري الذي يقرأ هذه السيرة لبلد لم يمض على استقلاله أكثر من 47 سنة، ثم يتذكر بأنه، وقبل أن يولد هذا”الذر”، كان سيدا وحيدا على أمة العرب والقارة السمراء، لاينافسه فيهما أحد على عروش الموسيقى والسينما والسياسة والرياضة..الأكيد أنه سيصاب بقليل من الهستيريا، وربما بكثير.
-
نحن لا ننكر للمصريين ريادتهم فـ “الكبير كبير”، كما يقولون، لكننا نطالبهم في المقابل، بكل الحب والوفاء، أن يعترفوا بمرتبتنا الثانية..الثانية فقط.