الجزائر ركيزة للاستقرار… ونراهن على شراكة اقتصادية توازي متانة العلاقات السياسية
لم يكتف سفير إيران الجديد بالجزائر، ناصر كنعاني، في أول لقاء جمعه بعدد محدود من الصحفيين، باستعراض مواقف بلاده من القضايا الإقليمية والدولية، بل حرص قبل كل شيء على توجيه رسالة واضحة مفادها أن الجزائر ليست مجرد محطة دبلوماسية جديدة، وإنما شريك يحظى بمكانة خاصة في الذاكرة الإيرانية، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقال العلاقات الثنائية من متانة التنسيق السياسي إلى فضاء أوسع من التعاون الاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي.
“اسم الجزائر حاضر في وجدان الإيرانيين”
وقبل أن يتطرق إلى الاقتصاد أو السياسة، توقف السفير مطولا عند المكانة التي تحتلها الجزائر في الوعي الإيراني، مؤكدا أن صورة الجزائر ارتبطت لدى أجيال من الإيرانيين بالنضال من أجل الحرية والاستقلال.
وقال كنعاني “على الرغم من أن أغلب الإيرانيين لم تتح لهم الفرصة لزيارة الجزائر، إلا أن اسم الجزائر وشعبها حاضر في فكر الإيرانيين ووجدانهم، إذ يعتبرونها بلدا صديقا وشعبا يتحلى بالفخر والاستقلالية ومناهضة الاحتلال والاستكبار والقيم الإنسانية الرفيعة”.
وأضاف كنعاني، الذي تولى ملفات حساسة في خارجية بلاده، ومنها المتحدث باسمها ومستشار وزير الخارجية الراحل أمير عبد اللهيان، ومسؤول الملف العراقي في الخارجية، أن الثورة الجزائرية لم تكن مجرد حدث تاريخي بالنسبة للإيرانيين، بل شكلت مصدر إلهام لهم، قائلا: “من أبرز ما ألهم الإيرانيين في نضالاتهم الثورية ضد نظامهم المستبد العميل للقوى الأجنبية، نضالات الجزائريين في تحرير بلادهم من براثين الاحتلال الغاشم”.
رصيد سياسي… والرهان على الاقتصاد
ورغم حديثه المطول عن التاريخ المشترك، بدا واضحا أن الرسالة الأساسية التي حملها السفير تتعلق بالمستقبل، إذ أكد أن العلاقات السياسية بين الجزائر وإيران بلغت درجة من المتانة تستوجب ترجمتها إلى مشاريع اقتصادية حقيقية.
وقال: “وقد أبدى كلٌّ من الرئيس الإيراني ووزير الخارجية ارتياحهما للعلاقات السياسية الراسخة والمتينة القائمة بين البلدين، وأوصيا بضرورة توظيف الطاقات الاقتصادية والتجارية للبلدين لتطوير هذه العلاقة بما يجعلها متناسقة مع عمق العلاقات السياسية التي تربطهما”.
ولم يخف كنعاني أن هذا التوجيه سيكون محور عمله خلال السنوات المقبلة، مؤكدًا: “فيما يتعلق بمسيرة مهمتي هنا، فإنني لن أدخر جهدا، تماما كما فعل أسلافي السابقون، في تطوير العلاقات الثنائية وتحقيق المصالح المشتركة لدولتي إيران والجزائر وشعبيهما”.
شركات إيرانية تطرق باب السوق الجزائرية
وفي معرض حديثه عن فرص التعاون، كشف السفير أن عددا كبيرا من المؤسسات الاقتصادية الإيرانية تبدي اهتماما بالسوق الجزائرية، وقال: “الكثير من الشركات الإيرانية التي التقيت بها أبدت استعدادا وافرا لإقامة تعاون بنّاء ومثمر مع نظيراتها من الشركات الخاصة والحكومية الجزائرية”.
وأضاف أن إيران تمتلك خبرات واسعة في الصناعة والتكنولوجيا والرعاية الصحية والمؤسسات الناشئة، معتبراً أن البلدين قادران على بناء شراكات ناجحة، قائلاً: “لا أتردد في أن البلدين يستطيعان تبادل تجاربهما في هذا المجال”.
وأشاد في السياق ذاته، بالسياسة الاقتصادية التي تنتهجها الجزائر، مؤكدا أن “سياسة التنمية التي ينتهجها الرئيس عبد المجيد تبون ترتكز على مسار التطوير الصناعي والتكنولوجي وتحويل الجزائر إلى دولة منتجة ومصدرة”، معتبرا أن هذه الرؤية تفتح آفاقاً واسعة للتعاون بين البلدين.
“العائق ليس السياسة… بل ضعف المعرفة”
ورغم تفاؤله بمستقبل العلاقات، يرى كنعاني أن العقبة الأساسية لا تكمن في غياب الإرادة السياسية، وإنما في محدودية المعرفة المتبادلة بين الفاعلين الاقتصاديين.
وقال: “من أبرز العوائق أمام تطوير العلاقات بين إيران والجزائر، ضعف التعارف المعرفي بين شعبَي البلدين ونخبهما والناشطين الصناعيين والتكنولوجيين فيهما”.
وأضاف أن البلدين يمتلكان طاقات كبيرة، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التعريف والتواصل، داعيا إلى تنظيم المعارض الاقتصادية واللقاءات المتخصصة، وتكثيف التبادل الإعلامي والثقافي، بما يسمح ببناء شراكات حقيقية تتناسب مع مستوى العلاقات السياسية القائمة بين الجزائر وإيران.
لم يقتصر حديث السفير الإيراني ناصر كنعاني على العلاقات الثنائية بين الجزائر وطهران، بل امتد إلى دور الجزائر في الإقليم، حيث قدّمها كفاعل يحظى باهتمام خاص داخل الدوائر السياسية في بلاده، بالنظر إلى ما راكمته من تجارب في الوساطة وحل الأزمات.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن “ولن ينسى الإيرانيون أن الجزائر أسهمت في إنهاء الحرب التي شنّها النظام العراقي السابق على إيران”، مستحضراً الدور الذي لعبه وزير الخارجية الجزائري الراحل محمد الصديق بن يحيى، الذي اعتبره أحد رموز ذلك المسار، مضيفاً أن “الجزائر بذلت جهوداً مثمرة قبل عقود في سبيل حل وفصل الخلافات القائمة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وتركت بذلك ذكرى جميلة في وجدان الإيرانيين.”
واعتبر كنعاني أن تلك التجارب تجعل من الجزائر طرفاً محل متابعة في أي جهود تهدئة إقليمية، قائلاً إن “كثيراً من المواطنين والمحللين الإيرانيين الرسميين وغير الرسميين يبحثون ويتساءلون باهتمام وفضول عن الدور المحتمل للجزائر في تخفيف حدة الحروب المشتعلة المشتركة بين أمريكا والكيان الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.
فلسطين ولبنان… “قضية واحدة” في الرؤية الإيرانية
وفي انتقال مباشر إلى أبرز ملفات المنطقة، شدد السفير الإيراني على أن موقف بلاده من القضية الفلسطينية يرتبط عضويا بموقفها من التطورات في لبنان، معتبرا أن ساحتي الصراع مترابطتان ضمن رؤية واحدة.
وقال كنعاني إن “الاهتمام البالغ لإيران والجزائر بالقضية الفلسطينية نابع من التزام البلدين بالقيم الإنسانية وأحكام القانون الدولي”، مضيفا أن “القضية الفلسطينية كانت دائماً وستبقى جديرة بالاحترام والتقدير من قِبَل العالم الإسلامي.”
وفي قراءة أكثر اتساعاً للوضع في غزة وردا على سؤال لماذا أبدت إيران حرصا بالغا في مفاوضاتها مع الإدارة الأمريكية على الملف اللبناني مقارنة بغزة، أشار إلى أن “هنالك اتفاق لوقف إطلاق والذي لم تلتزم به دولة الاحتلال، ولكن الاتفاق موجود.” مؤكداً في الوقت نفسه أن التطورات الإقليمية لا يمكن فصلها عن بعضها البعض.
وانتقل بعدها إلى لبنان، حيث قدّم رؤية تعتبر أن الساحتين اللبنانية والفلسطينية جزء من معادلة واحدة، قائلا إن “لبنان قضية مشتركة في الصراع مع الكيان الصهيوني وأمريكا”.
وأضاف أن “حزب الله تدخل لدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأصبح جزءاً من الحرب التي شنت على إيران”، مشيرا إلى أن طهران طالبت بأن يكون الملف اللبناني ضمن مسار التفاوض، باعتبار أن “لبنان نقطة أساسية في المفاوضات”.
وشدد كنعاني على أن “الاعتداء على لبنان سينعكس سلباً على غزة وفلسطين، وحزب الله كان أول من ساند غزة”، معتبراً أن “وقف إطلاق النار المبرم مع أمريكا يمنح لبنان الفسحة ويخدم غزة وكل فلسطين”.
كما أكد أن “ملف لبنان وغزة قضية واحدة، ولن نتخلى عن محور المقاومة وسندعمه.” مضيفاً أن المقاومة بالنسبة لطهران ليست خياراً سياسياً بل “مسألة وجودية للبنان وفلسطين”، وأن “بقاء المقاومة اللبنانية له مسار أساسي في المقاومة بغزة”.
وفي لهجة أكثر حدّة، اعتبر أن “المقاومة في غزة ولبنان جزء من المواجهة ضد الهيمنة الصهيونية”، محذراً من أن “سياسة التطبيع في العالم العربي تهدد أمن المنطقة، ومسار التطبيع خطأ استراتيجي ولن ينهي التوسع الصهيوني”.
الحرب الأهلية في لبنان خط أحمر
وفي سياق حديثه عن التوترات، أشار كنعاني إلى أن بلاده تسعى إلى ضبط مسارات التصعيد في المنطقة، قائلاً إن “نبذل كل الجهود لاستمرار التواصل مع الحكومة اللبنانية لعدم حصول خلافات داخلية في لبنان”، مؤكداً وجود تواصل مع أطراف متعددة، في محاولة للحفاظ على الاستقرار الداخلي اللبناني.
وأضاف أن “الحرب الأهلية في لبنان خط أحمر ليس في لبنان فقط ولكن في كل المنطقة”، مشددًا على أن أي توتر داخلي ستكون له انعكاسات إقليمية واسعة.
وفي ما يتعلق بالعلاقات مع دول الجوار، قال إن “الجوار نعتبره دول صديقة وليس من بين أهدافنا”، في إشارة إلى أن طهران لا تستهدف دول المنطقة، رغم التوترات القائمة.
كما أقر بوجود تعقيدات إقليمية، قائلاً إن “حكومات عربية ساهمت بشكل مباشر في الاعتداءات علينا”، قبل أن يضيف أن إيران “استهدفت العمق الصهيوني والقواعد الأمريكية في المنطقة”.
وفي المقابل، شدد على أن بلاده أبلغت الأطراف الإقليمية بأن “أي اعتداء علينا سنرد على إطلاق الصواريخ”.
بين الدبلوماسية والتصعيد… خطاب متعدد الطبقات
يكشف خطاب السفير الإيراني في الجزائر عن مقاربة تجمع بين الدفع نحو توسيع التعاون الاقتصادي مع الجزائر من جهة، وتقديم قراءة حادة لتوازنات الصراع في الشرق الأوسط من جهة أخرى، في وقت تراهن فيه طهران على أدوار إقليمية لدول مثل الجزائر في ملفات الوساطة والتهدئة.
وبينما يضع كنعاني الجزائر في خانة “الشريك الاستراتيجي” و”ركيزة الاستقرار”، فإنه يربط في الوقت ذاته مستقبل المنطقة بمآلات الصراع في فلسطين ولبنان، في خطاب يعكس رؤية إيرانية تعتبر أن ملفات الإقليم مترابطة وغير قابلة للفصل.
وختم السفير الإيراني مداخلته بالتأكيد على أن مهمته في الجزائر ستبقى موجهة نحو هدف أساسي يتمثل في “تحقيق المصالح المشتركة بين إيران والجزائر وتوطيد أواصر الصداقة والأخوة بينهما”.