الجميل والبشع في مسيرات “اللاءات”!
الشيء الجميل في هذه المسيرات التي شهدتها مختلف الولايات في قلب المدن الكبرى ومختلف الجامعات، ليس في سِلميتها فقط، وإنما في حرص الجميع على ألا تنزلق إلى الفوضى التي لا نظن أن أحدا يعرف مخاطرها مثل الجزائريين، الذين اكتووا بلهيبها على مدار عشرية كاملة، أطلقوا عليها كل الأسماء الحزينة، من عشرية الدم إلى عشرية النار. وعندما يتمسك المواطن بالسِلم فإن بقية العقبات يسهل حلّها، خاصة أن ما حدث في تسعينيات القرن الماضي، مازالت آثاره تنخر قلوب الجزائريين، الذين ما عادوا يستطيعون تذكّر عواصفه، فما بالك أن يسمحوا لأي كان أن يعيد عصفها.
وإذا كان الجزائريون قد شيّعوا الملايين من أبنائهم من أجل الحرب إبان ثورة التحرير، فإنهم مستعدون لأن يجنّدوا الملايين لتفادي العنف والموت، بعد أن ذاقوا من كأس العلقم عقدا كاملا، ونعِموا بعده بالسلم ولن يفرطوا فيه هذه المرة.
لا تلدغ الشعوب من الجُحر مرتين، خاصة إذا كان اللدغ عبارة عن مأساة اجتماعية وحروب أهلية، وقد هبّت العواصف على لبنان منذ أن توقفت الحرب الأهلية التي دمّرت كل ما هو جميل في هذا البلد الصغير الذي تحيط به سوريا المشتعلة وفلسطين الجريحة، وإسرائيل التي تصبّ بنزين الفتن من دون كلل ولا ملل، ولكن شعبه بكل أطيافه رفض التدحرج إلى حيث الخطر، وحافظ على وحدته، وكما دفع في الحرب الأهلية من أبنائه الذين طلبوا الحرب، دفع من كل أطيافه من أجل السلم، حتى قيل بأن الربيع العربي بإمكانه أن يجرّ كل دول الشرق الأوسط إلى الحروب الأهلية والفوضى، إلا لبنان، وهو ما سارت عليه كل المسيرات التي شهدتها الجزائر التي كان شعارها سلميا ورافضا لأي مخرّب أن يندسّ فيها، مما جعل رسائلها تُسمع الصمّ، وتُري الأعمى، وسيقال بأن الربيع العربي بإمكانه أن يجرّ كل العالم إلى الفوضى، إلا الجزائر.
والسيئ في هذه المسيرات أن الكثير من رسائلها الحضارية، لم تصل إلى بعض المعنيين، بالرغم من أن الرسائل كانت مباشرة، لا شيفرة فيها ولا ما بين السطور، فقد تم ذكر بعض أسماء الذين ملّ الناس من كلامهم “الفارغ” وتم ذكر بعض الأحزاب التي لا هي عملت ولا هي تركت الناس تعمل، بالاسم و”اللقب”، وأحيانا بالأدلة القاطعة عن تجاوزاتها، وعن الضجر الذي صارت تزرعه في قلوب الناس بمجرد وجودها في حياتهم، ومع ذلك بقي الخطاب واحد، يعلك نفس الكلام الذي كان يقال ما قبل المسيرات وعلى مدار السنوات.
لا يهمّ كم عدد الذين ساروا يوم الجمعة في غالبية المدن الكبرى، ولا عدد الطلبة الجامعيين الذين جمّدوا الدراسة والامتحانات، والمحامين الذين ساروا على نهج الرافضين للوضع القائم، بقدر ما تهمّ هذه الرسائل الراقية المخطوطة بالسلم والتحضّر، على أمل أن يكون لكل صرخة سامع ولكل ذكرى مُنتفع.