الجهاز الذي ينحر على أسواره المتمردون على السلطة
يجمع المتتبعون على أن مصير حزب جبهة التحرير الوطني، ليس بيد مناضليه ولا حتى قادته.. يوصف في الأدبيات السياسية بـ”الجهاز”، الذي تدار شؤونه من خارج هياكله.. إذن من السابق لأوانه القول بأن معركة اللجنة المركزية المقبلة، محسومة مسبقا لبلخادم أو لخصومه في اللجنة المركزية، حتى وإن ادعى كل طرف امتلاكه الأغلبية .
لم يسبق لأعضاء اللجنة المركزية، في تاريخ الأفلان أن عزلوا أمينهم العام إلا في حادثة واحدة تعود إلى العام 1996، الضحية يومها كان واحدا من “حكماء” الجزائر، الراحل عبد الحميد مهري، الذي كان له شرف فك الارتباط بين الحزب والدولة، كما يعود له الفضل في بسط استقلالية قرار الحزب، وهذا لم يعجب الجهات التي دأبت على تسيير شؤونه من خلف الستار. رغم الصرامة التي تميز بها مهري في إدارة شؤون الحزب العتيد، ورغم الحب والتقدير الذي كان يكنه مناضلو وإطارات الحزب للراحل مهري، إلا أن ذلك لم يشفع له. التحدي كان أكبر منه ومن الحزب، فقرر الانسحاب فيما عرف بـ ” المؤامرة العلمية ” ، وقال كلمته الشهيرة : ” أقلت ولم أستقل ” .
أحد مهندسي هذه “المؤامرة” قال للصحافيين يومها معلقا على انخراطه في تنحية مهري: “كان منا السفير ومنا الوزير، لكن قيادة مهري للحزب ونقله إلى المعارضة، حرمنا من مغانم السلطة”. غادر مهري وحل محله بوعلام بن حمودة، ومعه عاد الحزب العتيد إلى بيت الطاعة.. لكن بن حمودة لم يلبث أن شرب من ذات الكأس التي شرب منها سلفه وإن بطريقة أكثر تهذيبا .
مصير الأمين العام رقم 12 علي بن فليس، الذي خلف بن حمودة في انتقال قسري العام 2001، لم يكن أفضل من سابقه، بل يعتبر أسوأهم، لأنه قذف بصاحبه إلى غياهب المجهول.. كان بن فليس مدلل الرئيس بوتفليقة، تدرّج بشكل لافت في مناصب المسؤولية منذ وصول الرئيس الحالي إلى سدة الحكم، من مجرد مدير حملة بوتفليقة الانتخابية، إلى رئيس ديوان بالرئاسة، ثم أمين عام للأفلان فرئيس للحكومة .
غير أن الطموح السياسي “الزائد” للرجل وقراره بمزاحمة بوتفليقة في السباق نحو الرئاسة، قضى على مستقبله السياسي(…)، حيث بدأت معاناته مباشرة بعد خسارته الاستحقاق الرئاسي، بإزاحته من رأس الأمانة العامة للحزب العتيد.. ولعلّ الجميع لا زال يتذكر كيف “تجمّعت” بسرعة شروط إعادة المؤتمر الثامن، الذي وصف بـ ” الجامع ” ليحل محله الأمين العام الحالي، عبد العزيز بلخادم .
أزيد من ثماني سنوات قضاها الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية، على رأس أقوى وأكبر حزب سياسي في البلاد، لكن خمس سنوات منها فقط مرت في هدوء، فالرجل لم ينعم بالراحة منذ مارس 2010، تاريخ انعقاد آخر مؤتمر.
لم يشق بلخادم عصا الطاعة على صناع القرار، ولم يتمرد على الرئيس.. كان في كل مرة يسلم أمر الحزب للقاضي الأول ويضعه تحت تصرّفه.. ومع ذلك هو اليوم مهدد بالتنحية. تعتبر معارضة بلخادم على رأس الحزب الأطول مقارنة بمن سبقه، لكنه تمكن من الصمود حتى الآن..
ويرى متابعون أن عجز خصوم بلخادم في اللجنة المركزية عن زحزحته، له علاقة بإدراك الرجل ويقينه بأن استمراره أمينا عاما للعتيد، يمر عبر الولاء التام والطاعة المطلقة لإرادة جهات خارجة عن هياكل الحزب، وهو ما يفسّر طول عمر المعارضة التي اندلعت ضده. وعندما يقف ماسكو خيوط اللعبة على مسافة واحدة من الأطراف المتصارعة على مستوى قيادة الحزب، فعندها تتحول المصلحة إلى المحدد الحقيقي لانتصار هذا الطرف أو ذاك.. وقد أدرك بلخادم بعد الانتخابات أنه ينام على ورقة يعتقد أنها رابحة وهي قوة الإغراء، أو كما يقول خصومه “سياسة الترغيب والترهيب”، من خلال محاولة شراء ذمم من وقع من أجل سحب الثقة منه، وذلك بوعدهم بحقائب وزارية ومناصب دبلوماسية ومسؤوليات سامية، لمن يعود عن قراره.. فلمن ستكون الكلمة يوم الجمعة المقبل، في الدورة العادية للجنة المركزية، لبلخادم أم لخصومه؟