الجهل المقدس والأحزاب المستباحة
عندما قرأت كتاب الباحث أوليفييه روا الموسوم بـ” الجهل المقدس – زمن دين بلا ثقافة” شعرت بارتياح كبير لأن كاتبه يشاطر رجل دين مسيحي يقول :”لا ينبغي تحويل الجزائريين إلى مسيحيين لأن السمة الإسلامية جزء لا يتجزأ من الهوية الجزائرية” فهل كان الأب كريستيان ديلوم صاحب هذا القول سابقا عندما دعى رجال الدين المسيحيين إلى “الاكتفاء بممارسة الشهادة على غرار دير تبحرين بالجزائر” الذي أغلقت ملفه هذا الأسبوع الصحافة الفرنسية؟ ولماذا يكره الفرنسيون هذا الأب المسيحي الذي وقف ضد العنصرية الفرنسية إزاء المهاجرين الجزائريين؟.
.
نهاية الخطاب الوطني؟
ما لم تفهمه السلطة الجزائرية هو ان الواقع المعيش لم يعد يقبل بـ”الخطاب الوطني” حتى ولو كان يتضمن وعظا دينيا ولم تعد “الوطنية” التي يتبجح بها من هم في السلطة مقنعة في اقطار الوطن العربي باعتبار أن الكثير من الملوك والرؤساء والأمراء اختطفوا السلطة من آبائهم وتنكروا لهم أو تسلّموا السلطة وتنكروا لآبائهم الذين لم يكونوا في السلطة.
يبدو أن عدم الاعتراف بالآخر حتى ولو كان فردا من العائلة انتقل إلى سلوك من تسلموا وظائف سامية في الدولة أو اصبحوا قادة احزاب فلم نقرأ أن رئيسا أو ملكا أو أميرا اعترف بالمجهود الذي قدمه من سبقه في الحكم ولم اسمع ان وزيرا ذكر محاسن من تولى منصبه وحتى الأحزاب تتجاهل ما قدمه قادتها ومن يتامل في الوضع الذي آلت إليه جبهة التحرير يجد أنه يعود إلى صراع بين ثلاثة أجنحة ( جناح علي بن فليس وجناح عبد العزيز بلخادم وجناح مولود حمروش) وكل جناح ينتظر من ترشحه السلطة لرئاسيات 2014م حتى يتخذ موقفا لمساندة مرشح السلطة المزعوم.
الاعتراف بمن سبقونا في العلم والثقافة فضيلة وقدوة تجعلنا ننوه بكل من كتب عن أصحابها، وقد قرأت هذا الأسبوع كتابا جديدا لعلي بن فليس بعنوان “إلى هؤلاء الذين أناروا لي عبقرية لسان العرب” الذي يتبنى فكرة الكاتب اليوناني نيكولا كازانتزاكيس التي تقول: “خير الأساتذة هم أولئك الذين نذروا أنفسهم كي يكونوا جسرا لتلاميذهم موصلا إياهم إلى المعرفة والنجاح” فالسيد بن فليس يعتقد أن معلميه في ثانوية التعليم الفرنسي الإسلامي(حيحي المكي) بقسنطينة “قد نجحوا في حفظ شخصيتنا الوطنية بشكل كامل وهويتنا ولغتنا وديننا وثقافتنا، وفي الوقت نفسه فتحوا عيوننا وقلوبنا على معارف وثقافات ولغات العالم قاطبة” وهذا الاعتراف يحمل في طياته اكثر من معنى عندما يقوم علي بن فليس بالتفتيش في الأرشيف للكتابة عمن تعلم على أيديهم والأهم هو انه فضل أن يكتب له” توطئة كتابه “أستاذ جامعي وهو زميل سابق له في الثانوية هو محمد لخضر معقال الذي يقول بأن الجيش الفرنسي ومنظمة اليد الحمراء فجرت قنبلة يدوية في الثانوية وأنه شارك في مسيرة قام بها الطلبة وشاهد على يمينه علي بن فليس وعلى يساره يوسف سبتي الشاعر الذي اإغتالته يد الإرهاب وهو يشارك في بناء صرح جمعية الجاحظية مع الفقيد الطاهر وطار.
والحق يقال أن “اللاثقافة” التي تحدّث عنها معقال قوّضت “النسيج الإبداعي والخيالي لشعبنا الذي تحوّل إلى ضحية نظام يستند إلى سياسة الاستغباء الممنهج ضاربا في العمق نتائج المجهودات التقليدية المستمرة لحركة الإصلاح الرشيدة ليفسح المجال امام عالم جهنمي من المشعوذين من كل صنف: أشباه متدينيين، أشباه ثوريين، أشباه مناضلين، أشباه مثقفين، وما أطول قائمة الأشباه والمستحوذين.. وا أسفاه”.
أعتقد ان من يقرأ كتاب الجهل المقدس سيكتشف “الجيل الجديد” من المنتمين إلى الأديان السماوية والديانات الوضعية لا يحملون ثقافة مثل ثقافة الأب كريستيان وإنما يعملون على استقطاب الجيل الصاعد لاستخدامه وقودا لحروب افتراضية وهو ما جعل أوليفييه يتساءل: “لماذا يصبح عشرات الآلاف من المسلمين في أسيا الوسطى مسيحيين أو شهود يهوه؟ وكيف أمكن لكنيسة بروتستانتية إنجيلية أن تتجذر في المغرب أو الجزائر… وكيف نفسر كون الحمسينية (العنصرية) هي الدين الأسرع نموا في العالم؟ وَلما تستهوي السلفية الجذرية شبانا أوروبيين بيضا وسودا؟ وكيف اضحت القاعدة التنظيم (الإسلامي) الذي يضم أكبر نسبة مئوية من المتحوّلين إلى الإسلام؟ “(الكتاب، ص 19)، والذين يعتقدون بأن الربيع العربي هو الذي أوجد هذه الموجة الجديدة من (التحول) أو الخروج على الدين الأصلي مخطئون، لأن الحرية التي جاءت بها رياح التغيير في الوطن العربي هي التي سمحت لنا باكتشاف ما يجري في عمق المجتمع العربي وكيف كانت الحزاب مستباحة باسم الديمقراطية والتعددية.