الحجاج… ولا رؤوس أينعت
عبد الناصر
لا توجد صورة كاريكاتورية أشد بؤسا وهزلا وحزنا من صورة “الرزم” السياسية العراقية وهي مجتمعة حول طاولة من خشب على وزن خطاباتهم، موهمة نفسها قبل الناس بأنها تبحث عن حلول للأزمة السياسية العراقية وليس الأمنية، بعضهم يتحدث عن تكتل المعتدلين وآخر يتحدث عن تقارب شيعي كردي مقدمة أطيافا شكلية من لحى الشيعة إلى بدلات سنية إلى عقالات كردية وصلبان مسيحية.فالمالكي روى تفاصيل عن رحلته إلى إيران وعبد العزيز الحكيم عن ضرورة الوحدة والبارزاني عن دعم لكردستان، والطالباني وصف اجتماع “الرزم” بالصريح والشجاع… الكل تحدث عن كل شيء إلا عن الاحتلال.. ففي العراق تعددت الطوائف والأسماء والهم واحد.. أسماء تحفظ القاموس السياسي عن ظهر قلب وتستعرضه عن ظهر قلب، لكنه قاموس من دون مفردات الدم والنار والإستعمار.. وبينما تجرؤ هاته الرزم على الإجتماع، وتجبن عن ذكر الاستعمار، يجتمع كبار قادة الجيش البريطاني وينصحون حكومتهم بالإسراع في سحب الجنود البريطانيين الموجودين في العراق، لتبقى أمريكا وحدها في مهمة حلب آبار البترول العراقية وباحثة أيضا عن حجاج جديد مقتنع بأن أهل العراق “أهل للشقاق وللنفاق…شقاق”.
لدى الشعب الذي ما عادت طائفة تجتمع فيه مع أخرى وبلغت فيه الفتنة الحلقوم، و”نفاق” قادة يدركون الداء بأورامه الخبيثة ولا يستطيعون حتى تقديم مسكنات للألم العراقي الذي عمره الآن أزيد عن أربع سنوات من الموت ومن اليأس ومن شقاق الطوائف ونفاق المستعمر وأذنابه.. أمريكا التي زرعت في أوهام حلفائها أسلحة كيميائية وبكتيرية، فأعلنت حملتها على العراق وردته إلى ما قبل البابلية وحولت رافديه بلون الدم وكل مدائنه بأحزان العامرية.. أمريكا التي قتلت المتنبي مرة أخرى بأمر من سيف الدولة البوشية، وقتلت حامورابي بغطاء الأمم المتحدة وأعادت مشاهد قتل الحسين في كربلاء والنجف وبغداد والبصرة والموصل وكردستان العراق..
أمريكا تريد الآن حجاج بن يوسف جديدا على مقاسها يصيح في بقايا الشعب العراقي “يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق وعبيد العصا وأولاد الإماء والفقع بالقرقر.. لكن مشكلة أمريكا ومشكلة الحجاج الجديد أن المجازر التي ابتلعت العراق لم تترك له رؤوسا أينعت يمكن قطافها..