الحقيقة تكشف الأكاذيب
مهما كانت قسوة الحقيقة، ومهما كان مصدرها وظروفها، فإنها وحدها من تدفن الأكاذيب، ولعلّ ما يحدث حاليا من حرب ضروس في بلاد أوكرانيا، يدخل في خانة الخير الذي كرهناه، ظنا منا بأنه شرّ في مجمله، أو ضمن المعادلة الشعبية التي تقول: “خلّطها تصفى”.
وجد الرئيس الروسي نفسه في حالة دفاع أمام الولايات المتحدة الأمريكية، في معركة كلامية، كانت أكثر لهيبا مما يحدث في ميدان القتال، عندما ذكّر الأمريكيين بحربهم على يوغوسلافيا في عهد زعيمها الشهير تيتو، ثم سأل الأمريكان عن الذي فوّضهم لتدمير العراق، بطريقة مازوشية، بعنوان امتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل، كانت أمريكا بعد ذلك هي نفسها أول من كشف بأن بلاد العراق لا تمتلك ذرة منه؟!
ولأنّ زمن هذا الكلام والمناسبة مهمّان، فإن الإحراج الذي تعرّضت له أمريكا أمام العالم وأمام شعبها، كان “الخير” الذي ظنناه شرّا بالكامل، لأن أصدق ما يقال في التاريخ، هو ذلك الذي ينطلق مع رصاصات الحرب، وليس مع راية السِلم أو الاستسلام.
لأول مرة منذ عقود، نجد كعرب وكمسلمين، أنفسنا في وضع المتفرِّج على مَشاهد حرب، تكشف المستور من طمع وخداع وجبن، وفي كل يوم يمرّ، يتبادر إلى أذهاننا ما عشناه في الحروب الكلاسيكة الأربعة مع الصهاينة من نكسة 1948 إلى حرب العبور 1973، وفي اجتياح لبنان سنة 1982 ووصولا إلى حرب تموز على جنوب لبنان في 2006 والعدوان على قطاع غزة أربع مرّات، من 2008 إلى 2021، وكيف كنّا في وضع المتهم دائما، وكيف كانت تتحرك الآلة الغربية بسرعة لدعم الصهاينة، بل وتتدخَّل بآلياتها البحرية والبرية والجوية، كما حدث مع العراق بحجة غزوه للكويت، لنستيقظ على أن الذي لعب معنا دور الأسد، هو في الواقع نعامة، في الحروب الحقيقية.
المستمع لبعض القادة الأوروبيين منذ بداية أزمة أوكرانيا، يتصوّر نفسه في مسرح التهريج والتنكيت، وكما هو حال بطل المسرحية وبقية الممثلين لا يمكنهم الخروج من الركح وإكمال أدوارهم خارجه، كان حال هؤلاء القادة، الذين أخذوا عن زعماء العرب ما كان يشدو به نزار قباني في قصيدته الشهيرة: متى يعلنون وفاة العرب؟ “فهم يرعدون ولا يمطرون، وهم يدخلون الحروب ولا يخرجون، وهم يعلكون جلود البلاغة ولا يهضمون”، في استنساخ طِبق الأصل لحال قادة العرب، الذين كانوا ومازالوا، موهوبين في تحرير بيانات التنديد والشجب والرفض، بالحبر واللعاب فقط.
لا أحد يريد للحرب أن تزيد يوما واحدا، ولا أن يُجرح مواطنٌ واحد في أوكرانيا أو روسيا، ولكن شريط الموت الذي يَتّم ورَمّل في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا وليبيا واليمن وفي غيرها من البلاد، جديرٌ بأن يُطرح وبقوّة في هذه الحرب الشمالية، التي انشغلت بها أوروبا، وأيقنت بأن كل يوم منها هو دمارٌ عليها، من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وهي لا تعلم، أو لا تريد أن تعلم، بأنّ أمما عاشت الحرب كقدر محتوم لا ينتهي.