الحقيقة.. كل الحقيقة
خطير جدا أن تتعاطى الدولة الجزائرية مع ما حدث وما يحدث في العزيزة بريان بمنطق “هانية”، لكن الأخطر هو الاستعانة بالمهدئات لعلاج مريض تستدعي حالته إجراء عملية جراحية ثقيلة.
-
ما يحدث في بريان ليس جديدا، بل كان موجودا في كل العشريات الماضية، مع فارق أننا كنا نسمع في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات صدى الصوت فقط وليس الصوت نفسه، فأخبار الفتنة كانت تصلنا نحن أهل الشمال كالأساطير القديمة، التي يختلط فيها الصدق بالكذب، والحقيقة والخيال، فلم نكن نعطي بالا، وكنا ننام على نشيد “الجزائر الموحدة.. من الماء إلى الصحراء.. ومن التاء إلى التاء“.
-
وجاء انفجار البركان الإعلامي ليكشف لنا هول الكارثة، ليصدمنا بحقيقة أن الأمر يتجاوز بكثير، كذبة الخلافات العائلية المحدودة.. بريان عاشت بالأمس وتعيش اليوم على تهديد فتنة حقيقية لا تبقي ولا تذر، وتأتي على الأخضر واليابس، والإصرار على اتباع نهج النعامة في التعامل معها يعني بالضرورة استمراره واتساع رقعته، وما يمكن السيطرة عليه اليوم قد لا نستطيع السيطرة عليه غدا.
-
وبما أن الأمر هكذا، فإن حلقات الاحتواء الأولى لفتنة بريان يجب أن تبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها، بتجميع هذه الدولة الجزائرية لكل الشجاعة والجرأة الكامنتين في أحشائها، بإسقاطها جميع الأقنعة والنظر إلى الوجوه كما هي، عارية، و”على الطبيعة”، أن تنهي عقودا من النفاق القاتل، فتعترف بالحقيقة.. كل الحقيقة، أن تتوقف عن سياسة التقليل والتحجيم والتصغير، غير المجدية.
-
بعدها، وبعدها فقط، يمكننا وضع الخطوة الأولى على طريق الحل الجدي والنهائي لهذه الأزمة، ذلك أن المشاكل الحقيقية تتطلب حلولا حقيقية، والفعل يجب أن يواجه برد مماثل أو أقوى
-
لم يعد أمامنا اليوم من خيار آخر، وإلا استمرت بقعة الزيت في التوسع والتمدد والانتشار إلى نقطة قد لا ينفع عندها الندم، وبما أننا لا نقدر على مداواة السرطان بحبة أسبرين، فإننا سنفشل حتما في وأد فتنة بريان، بالمزيد من الفلسفة الجوفاء، والشعاراتية، والخطب الرنانة، والبيانات المكتوبة بلغة الشعر.