الحلم العابر للصحراء
إلى زمن قريب، كانت المشاريع الإفريقية تتوقف عند حلو الكلام، والوعود العسلية، التي تذوّبها كل صباح إشراقة الشمس الإفريقية الحارقة، وما كان يُستهلك من لعاب في كل اللقاءات الإفريقية، أغزرُ بكثير من العرق الذي من المفروض أن يتصبّب لتجسيد أحلام قارة تتعامل مع الغرب بطريقة مازوشية غريبة، لا تختلف عن نظرية القابلية للاستعمار، التي حدّثنا عنها المفكر مالك بن نبي.
وعندما نرى ما أخذته فرنسا من هذه البلدان، على سبيل المثال، بعد أن منحتها استقلالها، نتأكد بأن الاستعمار لم يخرج، بل ترك هناك من يمنحوه ثرواتهم من دون أدنى جهد يبذله.. وبالمجان.
وحتى المشاريع التي أطلقتها الجزائر ودول أخرى من مصر إلى جنوب إفريقيا وحتى ليبيا على مراحل، بقيت مبتورة بسبب إيمان غالبية الأفارقة بأن العرق الأبيض هو السيّد، حتى ولو ساد أرضهم وداس عرضهم ونهب ثرواتهم وأخمد ثوراتهم.
لكن حلم أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي تحوّل إلى حقيقة، يمكنه أن يؤسّس لشراكات إفريقية تمحي كل الاتفاقيات البائسة في قارة ارتضت أن تكون منجما للمستكشفين الناهبين للثروات.
وزير طاقة نيجيريا عاد إلى سنة 2001 عندما برزت فكرة نقل غاز هذا البلد الطاقوي العملاق، من نيجريا إلى الجزائر، وتحويله إلى كل بلاد العالم، واعتبر المدة طويلة جدا، ولكن في الوقت ذاته بشّر بأن الأنبوب صار الآن أمرا واقعا، والذين كانوا يسعون إلى إجهاضه مخطئون؛ فالصداقات والاتفاقيات التي تُبنى على مصلحة قوية، لا يمكنها أن تفشل، وستصبح قريبا نموذجا يُحتذى به، لمشاريع مشتركة كثيرة لأجل استغلال الثروات الموجودة في الأرض الإفريقية العذراء والتي تخصّ المناجم والمعادن النادرة والمياه والطاقات المتجددة والمحروقات…
ولّت الجزائر في السنوات الأخيرة اهتمامها شطر الجنوب، وهي تحقق مكاسب كثيرة، سواء في صحرائها التي صارت تدرّ القمح والماء والحديد، أو في الساحل وبلاد إفريقية أخرى، آمنت بضرورة تحويل الأمنيات إلى حقائق.
عندما تبدأ أوربا تتدفأ بالغاز العابر للصحراء، وتبدأ نيجيريا والنيجر والجزائر في جني ثمار هذا الاستثمار العملاق، ستقفز هذه البلدان خطوات أخرى إلى الأمام، ولن تنام المشاريع لعقود أو ربع قرن كما هو حال هذا المشروع الذي قد نرى مثيلا له في قطاعات أخرى.
نجح الغرب وأوروبا على وجه الخصوص في وحدتهم عندما جسّدوا برامج اقتصادية وأمنية على أسس صلبة بمصالح مادية مشتركة، فصارت إسبانيا تبارك وحدة الدولة الاسكندنافية تجاريا، وألمانيا تؤيد تقارب بلاد البلطيق أمنيا، وإنجلترا تساعد الدول الأوروبية المتوسطية التي تعاني ماديا، فتتغير الحكومات وتصمد الاتفاقيات، وهو ما سيحققه مشروع الغاز العابر للصحراء، لأن اقتصاد نيجيريا والجزائر سينتعش، وسيتنفس أبناء النيجر حياة أحسن، وحينها حتى لو تغيّرت الحكومات والرؤساء، فإن الشعوب ستتمسك بمشروعها الكبير، الذي كان حلما عابرا للصحراء.. وتحقَّق.