الحلم الأمريكي يتحول إلى الكابوس الأمريكي لدى الشباب غير المؤهل
تتوزع الجالية الجزائرية على عدة ولايات أمريكية، ويوجد أكبر عدد من المسجلين بالسفارة الجزائرية في كل من نيويورك ونيوجيرسي بعدد يفوق 3500 جزائري، فيما تأتي منطقة بوسطن في المرتبة الثانية، حيث يوجد بها حوالي 1500 جزائري، كما يوجد عدد كبير منهم في كل من سان فرنسيسكو وكاليفورنيا ولوس انجلس وساندييغو وشيكاغو وديترويت، ويتمركز العديد منهم في العاصمة واشنطن والولايات القريبة منها كفرجينيا وميريلاند.
-
واقع الجالية الجزائرية وأماكن انتشارها
-
وهذه الأرقام لا تعبر عن الواقع كما أسلفنا، لأن أغلب الجزائريين لا يسجلون أنفسهم بمصالح القنصلية، ولكنها تعطينا فكرة عن توزيع الجزائريين في الولايات وهي تنسجم مع الأرقام الواردة من وزارة الهجرة الأمريكية، فمن بين 1485 مهاجر جزائري حصل على الإقامة الدائمة سنة 2009 يوجد 225 منهم بنيويورك، و110 بـ “نيوجيرزي”، و238 بـ “كاليفورنيا”، 111 بـ “ماساتشوستس”، 113 بـ “بنسلفينيا”، ويكثر تواجد أبناء الجالية في الأحياء التي تسكنها الجاليات العربية والمسلمة، لكنهم أكثر اندماجا من غيرهم في أوساط الأمريكيين بسبب تكوينهم اللغوي وانخراطهم في المؤسسات الأمريكية، خصوصا المهاجرين القدامى الذين سافروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية بهدف الدراسة ثم استقروا بها.
-
وعموما، فإن تعداد الجالية الجزائرية في تطور مستمر، حيث تحظى الجزائر بحصة كبيرة في اللوتري الأمريكي، إذ يقدر عدد الجزائريين الذين يحصلون على البطاقة الخضراء سنويا 1500 جزائري، لكن نسبة معتبرة من هؤلاء لا يتمكنون من الاستقرار في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يفشلون في إتمام إجراءات السفر أو يفشلون في الحصول على مهنة تمكنهم من الاستقرار في أمريكا، في حين يضطر البعض منهم إلى مزاولة مهن لا تتناسب مع الشهادات والخبرات التي يملكونها، كمقدمة للحصول على مهنة مناسبة.
-
وليس من المبالغة القول إن أبناء الجالية الجزائرية أسرع من غيرهم في عملية الاندماج داخل المجتمع الأمريكي، إذ أن الروابط بين أفرادها ضعيفة على عكس الجاليات العربية والإسلامية الأخرى التي تعيش في تجمعات شبه مغلقة، مما يجعل اندماجها داخل المجتمع الأمريكي ضعيفة إن لم تكن منعدمة في الكثير من الأحيان، وفي هذا الإطار يقول إسماعيل فريد(1) وهو من أبرز الناشطين في مجال التمثيل الجمعوي “إن المشكل المطروح بالنسبة لأفراد الجالية الجزائرية في أمريكا ليس صعوبة اندماجها في المجتمع الأمريكي وإنما يكمن في سرعة اندماجها، وتخلّيها تدريجيا عن هويتها الوطنية بسبب ضعف الرّوابط فيما بينها” ويعدّد منتقدو هذا الاندماج السّريع جملة من السلبيات التي تهدد بزوال الخصوصيات، وهو ما يحدث فعلا للجيل الجديد، أي أبناء المهاجرين الذين لا يختلفون عن أقرانهم من الأمريكيين إلا في الاسم، حيث يجهل أغلبهم اللّغة العربية وكذا أبسط تعاليم الدين الإسلامي، ويقول هؤلاء إن ما يحدث لأبناء الجالية الجزائرية لا يحدث مع الجاليات العربية والإسلامية الأخرى. لكن آخرون يعتقدون أن هذا الاندماج السريع والتكيف مع المجتمع الأمريكي أحسن من التقوقع في مجتمعات مغلقة يصعب معها التكيف والاندماج.
-
وفي الواقع فإن الإشكال الذي تعانيه الجالية الجزائرية يعد ظاهرة شبه عامة على الجاليات العربية الأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لم تتمكن من الحفاظ على هويتها العربية بالشكل المثالي، غير أن هناك بعض المحاولات الرامية إلى الحفاظ عليها من خلال فتح مدارس إسلامية خاصة يقصدها أبناء المهاجرين العرب خلال نهاية الأسبوع لتعلم العربية، كما نجحت الجالية العربية في اعتماد اللغة العربية كلغة أجنبية في بعض المدن الأمريكية على غرار مقاطعة فيرفاكس بولاية فرجينيا ومدينة ديربورن بولاية ميتشيغن.(2)
-
وتعاني الجالية الجزائرية من غياب التأطير، وبالتالي غياب فضاءات يلتقي فيها الجزائريون على الأقل خلال الأعياد الوطنية والدينية، وفي هذا السياق تحاول الجمعيات القليلة الناشطة في الميدان تنظيم رحلات وحفلات تجمع فيها أبناء الجالية المتواجدة في مناطق قريبة. لكن إسماعيل فريد يعتقد أن هذا لا يكفي، مسجلا عدم وجود أية مدارس أو مراكز ثقافية تخدم أبناء الجالية الجزائرية، ويضطر الأولياء إلى إدخال أبنائهم في مدارس سعودية وفرنسية وأحيانا مدارس كاثوليكية ذات طابع تجاري، أي أنها تقدم المعرفة دون المحتوى الديني، وهنا يسجل العديد من أبناء الجالية الدور السلبي للسفارة الجزائرية ومن ورائها الحكومة الجزائرية، التي لا تفعل شيئا لرعاياها بالخارج كما تفعل كل حكومات العالم، لا مدارس ولا مراكز ثقافية ولا حتى مخيمات صيفية أو دورات تثقيفية تجمع أبناء الجالية الجزائرية خلال العطل، لأجل ربطهم بالوطن الأم من خلال تدريسهم العربية ومبادئ الدين الإسلامي وتاريخ بلدهم الجزائر، فالإندماج داخل المجتمع الأمريكي أمر مطلوب، لكن عندما يتحول إلى ذوبان كلّي وانسلاخ عن كل ما يرمز للوطن الأم فهذا هو عين الفشل.
-
وفي هذا السياق، يمكن تسجيل بعض المحاولات المحتشمة من قبل السفارة الجزائرية التي أرادت تأسيس فدرالية تجمع كل الجمعيات الناشطة في الولايات المتحدة من أجل تسهيل الاتصال والتنسيق، غير أن ذلك لم يلق استجابة من هذه الجمعيات التي تفضل العمل باستقلالية تامة، خصوصا أن العلاقة ليست على ما يرام بين السفارة وهذه الجمعيات، حيث قاطعت إحدى أهم الجمعيات الناشطة في العاصمة واشنطن الاحتفال الذي نظمته السفارة بمناسبة إحياء ذكرى أول نوفمبر.
-
واللّوم هنا لا يقع على الجالية الجزائرية بقدر ما يقع على السفارة الجزائرية، التي تفتقر إلى الفعالية والمبادرة، حتى أن الفعاليات التي تحييها في المناسبات الوطنية لا تتجاوز الإطار الشكلي، ومثال على ذلك الاحتفال بذكرى اندلاع الثورة التحريرية في أحد أشهر الفنادق بالعاصمة الأمريكية واشنطن، الذي مر دون الاستعانة بأي فيلم أو شريط وثائقي حول كفاح الشعب الجزائري، وحضر المدعوون وغادروا دون أن يأخذوا فكرة عن سبب الاحتفال.
-
وهنا يمكن تسجيل ملاحظة أساسية هي أن الجزائريين في أمريكا يعرفون تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية أفضل من تاريخ بلدهم الجزائر، بسبب كثرة المتاحف والمدن التاريخية التي تحاول الاحتفاظ على نمط الحياة كما كانت خلال القرن السابع عشر والثامن عشر، ومثال على ذلك مدن “وليامزبرغ” و”جيمس تاون” و”يورك تاون” حيث يتمكن الزائر إليها من السفر فعليا عبر الزمن، ذلك أنه بمجرد دخول البوابة الرئيسية لهذه المدن تنتهي كل مظاهر الحياة العصرية، ويتمكن الزائر من العيش وفق النمط الذي كان سائدا في القرون الماضية، البنايات قديمة والناس يلبسون ثيابا تعود إلى تلك القرون ويتكلمون لغة المؤسسين الأوائل، ولم يغفل القائمون على تلك المدن التاريخية أي تفصيل قد يوحي بوجود حياة عصرية، مما يجعل الزائر يعيش التاريخ فعليا وليس مجرد الاطلاع عليه في المتاحف والكتب.
-
لهذا فإن الجزائريين في الولايات المتحدة الأمريكية يكتسبون ثقافة واسعة حول تاريخ أمريكا، بينما يجهلون حتى التاريخ القريب للجزائر، بسبب عدم وجود سياسة وطنية جادة للاهتمام بالتاريخ وتقديمه للأجيال الجديدة بطرق مشوقة، لذلك فإن الاستفادة من التجربة الأمريكية في هذا المجال أمر مطلوب.
-
-
نفوذ الجالية في المؤسسات الأمريكية
-
رغم قلة عدد أبناء الجالية الجزائرية في الولايات المتجدة الأمريكية فإن نفوذها في المؤسسات الأمريكية أحسن بكثير من العديد من الجاليات التي تحصي الملايين من أفرادها، لكن تأهيلها العلمي يجعلها على الهامش في المجتمع الأمريكي، ومثال على ذلك المد البشري القادم من أمريكا اللاتينية والناطق بالإسبانية، حيث ينتشر هؤلاء في ضواحي المدن ويعيشون ظروفا صعبة ويسترزقون من الأعمال الشاقة، وأغلب هؤلاء يدخلون الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق الهجرة غير الشرعية، مما يجعل عملية اندماجم مع المجتمع الأمريكي أمرا مستحيلا، على عكس أبناء الجالية الجزائرية الذين غالبا ما يلتحقون بالجامعات ومراكز البحث والشركات الكبرى نظرا لتأهيلهم العلمي ووضعيتهم القانونية إزاء مصالح الهجرة، وهنا يشار إلى أن المهاجرين غير الشرعيين من الجزائريين في الولايات المتحدة الأمريكية عددهم قليل جدا، وينتشرون في نيويورك وواشنطن ونيوجيرزي وبعض المدن الأخرى، وغالبا ما يتجهون إلى الحرف اليدوية والكثير منهم يعملون في المطاعم والمحلات التجارية، غير أن هؤلاء سرعان ما يسوّون وضعياتهم إزاء مصالح الهجرة إما بالمشاركة في القرعة الخاصة بالبطاقة الخضراء أو الزواج من أمريكيات، لكن هذا الزواج غالبا ما يواجه صعوبات بسبب الفرق الشاسع في نمط العيش، أضف إلى ذلك اختلاف الدين والتقاليد، وفي أغلب الحالات تنتهي حالات الزواج المختلط بالطّلاق.
-
لكن الأغلبية من الجزائريين المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية هم في الواقع إطارات نافذة في الشركات الأمريكية، حيث أن أكثر من نصف أفراد الجالية الجزائرية يملكون شهادات عليا وتأهيلا مهنيا، فيما تحصي السفارة الجزائرية قرابة 1200 باحث وأكاديمي في مختلف المجالات العلمية، بينهم أطباء وإطارات عليا في “معاهد الصحة الأمريكية” التي كان يرأسها العالم الجزائري إلياس زرهوني(3)، وهو شخصية علمية مرموقة في الولايات المتحدة الأمريكية، عيّنه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش مديرا للمعاهد الطبية سنه 2002، ثم استعان به الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما للتواصل مع العالم الإسلامي، وعيّنه مبعوثا خاصا إلى العالم الإسلامي لتمثيل الرئيس أوباما في مجال العلوم والتكنولوجيا.
-
ويتواجد الجزائريون في العديد من المؤسسات الأمريكية الاستراتيجية، بينها وكالة الأبحاث الفضائية “نازا” التي يعمل بها العديد من الباحثين الجزائريين، وبعضهم تلقى كل مراحل تعليمه في الجزائر كما هو الحال مع “الهواري بونوة” وهو شاب من مدينة وهران، تخرج من الجامعة الجزائرية، وأدى واجبه الوطني في الخدمة العسكرية، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة، ويعمل حاليا بوكالة الأبحاث الفضائية كموظف حكومي وليس باحثا متعاونا كما هو الحال بالنسبة للعديد من الجزائريين، حيث أن القليل يتمكن من الالتحاق بهذه المؤسسة الاستراتيجية في الولايات المتحدة كموظف كامل الدوام.
-
ويكاد الجزائريون يغطّون كل المجالات العلمية، ففي مجال البيطرة والأبحاث المتعلقة بآخر التقنيات المستخدمة في التحاليل، ينشط الدكتور عبد العزيز خالد، وهو الآخر شاب من العاصمة تلقى كل مراحل تعليمه في الجزائر، وعمل بوزارة الفلاحة في سلك البيطرة إلى أن أصبح من بين إطاراتها، ثم حصل على منحة لإكمال دراسته بالخارج من طرف الأمم المتحدة، وبعدها حصل على عدة منح مكنته من التعمّق في أبحاثة، وحصل على الدكتوراه سنة 1991، وهو يعمل حاليا مستشارا أكاديميا.. عبد العزيز يشعر ككل الجزائريين أن لبلده عليه فضلا كبيرا، وهو يفكر في العودة ومزاولة عمله في الجزائر في القطاع الخاص، حيث يُخطط لفتح مخبر تحاليل، وفي هذا السياق عبر عن استغرابه لكون الجزائر ترسل بعض العينات للتحليل إلى الخارج.
-
وينشط الكثير من الجزائريين في مجال المال والأعمال من خلال تسيير شركات في مختلف المجالات، ومن بين النافذين الكبار في مجال الأعمال، صالح الإبراهيمي، وهو ابن الدبلوماسي الجزائري المشهور الأخضر الإبراهيمي الذي له باع طويل في حل النزاعات الدولية، حيث عمل مبعوثا للأمين العام للأمم المتحدة في هايتي واليمن وجنوب إفريقيا والزائير والعراق وعدة بؤر توتر في العالم.
-
ويعمل صالح الإبراهيمي حاليا في مجال الاستشارات الاستراتيجية، باعتباره رئيسا ومديرا تنفيذيا لشركة غراي الدولية، وقد توجه إلى مجال الاستشارات الاستراتيجية بعد أن اكتسب تجربة طويلة أثناء عمله بالبنك العالمي، ويعد مثالا للشباب الجزائري الناجح، حيث شق طريقه في مجال العمل المصرفي بعد أن زاول تعليمه في مدارس وجامعات بريطانية وفرنسية، وهو حاليا مرجع مهم في الاستشارات الاستراتيجية ويتعامل خصوصا مع الصناديق السيادية في العديد من الدول، خصوصا الشرق الأوسط حيث تكثر هذه الصناديق، وهو يعيش حاليا رفقة عائلته في العاصمة الأمريكية واشنطن. ويوجد قرابة 15 جزائريا في البنك العالمي يعملون في مختلف المصالح وبعضهم على مستوى عال كما هو الحال بالنسبة للدكتور بخشي عبد الوهاب، كما يوجد العديد من الوزراء السابقين.
-
وفي المجال الإعلامي، يتوزع عدد كبير من الجزائريين على المؤسسات الأمريكية الإعلامية على غرار راديو سوا وقناة الحرة التي تضم زمرة من أقدم الصحفيين أمثال مراد شبين ومحمد مختاري، هذا الأخير حقق نجاحا كبيرا في مجال التحقيقات الميدانية وحصل على عدة جوائز، وعرف بشجاعته حيث خاض العديد من المغامرات الصحفية عبر تغطيته مناطق النزاع في أفغانستان وباكستان، إذ قام بحقيقات ميدانية بوزيرستان في عز الحرب ضد عصابات طالبان.
-
-
1 ـ إسماعيل فريد، نائب رئيس الرابطة الجزائرية الكبري بواشنطن، تلقى تعليمه في الجزائر إلى غاية نيله شهادة الليسانس في الحقوق، سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1995 بعد حصوله على البطاقة الخضراء، وزاول دراساته في عدة جامعات أمريكية، يعد واحدا من أبرز الناشطين في مجال التأطير الجمعوي.
-
2 – Helen Hatab Samhan. ?Who Are Arab Americans?? Arab American Institute Foundation. Accessed November 5, 2010. http://www.aaiusa.org/page/file/21b02cde94d4307c47_jsnmvy5dd.pdf/WhoAreArabAmericans.pdf
-
3 ـ درس إلياس زرهوني الطب في الجزائر وتحصل على شهادة الدكتوراه سنة 1975، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تدرج في مناصب المسؤولية إلى أن أصبح مديرا للمعاهد الطبية، وهي مرجع طبي في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تضم 27 معهدا ومركز بحث وتشغل 27 ألف باحث، وقد تخصص زرهوني في مجال التصوير الإشعاعي، كوسيلة للتشخيص المبكر للأمراض السرطانية، حيث ابتكر أول جهاز للتصوير المجسم “سكانير”، كما سجلت باسمه العديد من الابتكارات الأخرى في المجال الطبي.
-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-
طالع في الحلقة القادمة
-
البعض منهم يضطر إلى العودة إلى مقاعد الدراسة
-
حاملون للبطاقة الخضراء يفشلون في الاستقرار ويعودون إلى الجزائر
-
كفاءات مغتربة تبحث عن سبل رد الجميل للجزائر بالتدريس والعمل مجاناطالع أيضا