-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحوَل الغربي

عمار يزلي
  • 661
  • 0
الحوَل الغربي
ح.م

بدأ التشهير بالعرب جغرافيا مع الاستشراق، هذا الأخير الذي بدأ تاريخيا مع الاستعمار، فقد بدأ الاهتمام بالعرب وصورهم وثقافتهم وبدينهم ودنياهم، منذ السقوط التاريخي للإمبراطورية العثمانية، مع أن العرب المسلمين كانوا قد سقطوا أربعة قرون قبل ذلك في الأندلس، وما هذا التحامل على العرب والمسلمين فيما بعد إلا استمرارٌ “لتجفيف” منابع حضارة المسلمين والعرب بعد نهاية الحروب الصليبية، وتصلب الغرب الأوروبي تجاهها تمهيدا لتقاسم تركتها.

لم يكفِهم ذلك، فالغالب يفعل بمغلوبه ما يشاء، في زمن كان يُنكَّل بالميت ويُمثّل فيه بالجثة.. كان هذا في زمن التوحش الغربي، الذي سيرمى به العرب فيما بعد عبر عبارة “البربرية” التي أطلقها أسلافهم على كل من هم خارج دائرة العرق الروماني الإغريقي.

هذا التوحش الذي عرفناه لدى الأقوام الغازية للمغرب العربي قبل الإسلام، صار العرب هم من يرمَوْن به؛ فصور المستشرقون الشرق على أنه فضاء للتخلف والتوحش أمام الغرب المتحضر ماديا وإنسانيا، وشككوا في أصوله وهويته ودينه وعقيدته، ونقلوا سمهم العلمي المعرفي المنهجي إلى أبناء جلدتنا الذين درسوا على يديهم في الجامعات الغربية وعادوا يلوون ألسنتهم بالكتاب وما هو من الكتاب: يقرؤون القرآن بالمقلوب وكأنهم هم من يملكون وحدهم العقل المفكر، دون سائر الناس وما نحن إلا مقلدون، قدريون، مؤمنون بالغيب والخرافات. هكذا، صرنا بعد التوحش نموذجا للتخلف الفكري أيضا، ووجب على الغرب الاستعماري الرأسمالي أن يحضّرنا وينقل إلينا فكره وعقله الذي لا نملكه.. في تصورهم.

هكذا بدأت الكتابات الأدبية أيضا المسماة “السفريات” (Les safaris)، التي كتبت بعيدا عن الواقع من بيوت وفيلات في أوروبا وبالذات في فرنسا عندما كتب أدباؤهم الأوائل بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر: البلد المتوحش البربري الذي يحتاج للتربية والتأديب ثم للتعلم والتحضُّر. بدأ هؤلاء الأدباء خلف البحر يكتبون عن سكان بلاد يلبسون سراويل عربية منفوخة لإخفاء ذيولهم.. فقد كانوا يتصوَّرون أننا نحمل ذيولا، ما عكس حقيقة تخلف الغرب عبر هذه التصورات الخرافية عن العرب: فقد كتب “Jean Dé jeux”، وهو رجل دين مسيحي وناقد أدبي، عن هؤلاء الأدباء الذين صوّروا الجزائري أثناء الاحتلال على أنه يحمل ذيلا وقد صار يشرب “الريكار رقم Ouahed..”على حد تشخيص الناقد الساخر لهؤلاء الأدباء العنصريين الجاهلين لتاريخنا وحضارتنا.

كان هذا في بداية القرن التاسع عشر، لكن الصورة النمطية للعربي عامة ستتغير وتتحول إلى ذلك البترودولار الجاهل الغبي.. المحب للنساء والخشن المعاملة، الأجلف في سلوكه. سيعمل هذا التوصيف عبر السينما في أمريكيا والغرب عامّة على إلصاق هذه الصورة بالعرب عامة دون تمييز. غير أن هذه الصورة المرتبطة بظهور إمارات النفط في الشرق الأوسط في الستينيات وخاصة في السبعينيات، سرعان ما ستنمحي لصالح عنصرية دينية وليس عرقية هذه المرة، وإن كانت العنصرية العرقية باقية وتتمدد.. الإسلام صار الهدف والمستهدَف.. المسلم صار هو ذلك الإرهابي، وصار العربي هو ذلك المتهم حتى تثبت براءته.. فيما صارت قيم الإنسانية عندهم أن تُسحب الإنسانية من كل مسلم لا دين بالولاء الأعمى للغرب العلماني المسيحي.. إنها المركزية الأوربية تعود من جديد.. لكن في زمن بدأت فيه وتعددت المراكز ويتولى زمن المركزية والقطبية الواحدة المهيمنة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!