الدراجات النارية.. من وسيلة نقل إلى “طائرة” للاستعراض والتحرش والنشل
أثارت الحملة الوطنية التي شاركت فيها مصالح الأمن والمجتمع المدني والإدارة، لأجل محاربة ظاهرة التهوّر لدى الكثير من أصحاب الدراجات النارية في الجزائر والتي لاقت استحسان المواطنين، وحتى أصحاب الدراجات من محترمي القانون أنفسهم، الكثير من الجدل، وبلغ الأمر إلى درجة طرح بعض الفراغات القانونية في التعامل مع وسيلة النقل، التي تمثل الأساس في كثير من بلاد شرق آسيا، تبدأ من سوق الدراجات النارية الذي لا يخضع إلى أي قانون تجاري، ووصولا إلى رخصة سياقتها وانتهاء بالتعامل مع سائقها الذي يظن بأن إشارات المرور وتحديد السرعة والسن المسموح بها لقيادة الدراجة لا تعنيه إطلاقا.
“الشروق اليومي” سألت السيد سعد فيلالي، صاحب مدرسة سياقة في بلدية عين السمارة بولاية قسنطينة عن تعامل مدارس السياقة مع طالب رخصة سياقة الدرجات النارية، فكشف بأن ملف الحصول على رخصة السياقة هو نفسه على العموم، مقارنة برخصة سياقة السيارات السياحية، حيث يتولى معلّم السياقة تقديم دروس نظرية حول إشارات المرور وخاصة القوانين العامة للسياقة، ويتم اجتياز الامتحان بنفس طريقة امتحانات السيارة صنف.ب، ولكن ما يختلف عنها هو أن الممتحن يتم عرضه بعد نجاحه، على السياقة مباشرة، من دون امتحان ركن السيارة المعروف لدى عامة الناس بالـ”كرينو”.
مدارس تعليم بلا وسيلة تعليم!
المشكل تكمن في أن غالبية مدارس السياقة إن لم نقل جميعها، التي تقدم هذه الرخصة، لا تمتلك دراجة نارية، ويبقى التعليم نظريا والامتحان معتمدا على دراجة طالب الرخصة فقط، وهو خلل يطرح الكثير من المشاكل.
وقد لاحظنا في الملف اشتراط بلوغ طالب رخصة السياقة الخاصة بالدراجات النارية الثامنة عشرة من العمر، لكن الشارع وفي كل المدن من دون استثناء يقدم لنا سائقين من دون هذا السن، بين المراهقة والطفولة، وتختلف الرسوم التي يدفعها طالب رخصة السياقة من مدرسة إلى أخرى وهي في العموم تتراوح ما بين 18000 و25000دج، ويظن دافعها بأنها ثمن الرخصة السياقة وليس ثمنا لتعلم السياقة، وأشار أحد أصحاب مدارس السياقة، بأن جميع طالبي رخصة السياقة يحسنون القيادة قبل أن يشتروا الدراجة النارية، وهناك من يعتقد بأن امتلاك دراجة نارية من نوع بيجو 103 وهي الشائعة في المدن والأرياف الجزائرية بالخصوص، بأنهم ليسوا في حاجة إلى رخصة السياقة وهو أمر خاطئ.
كما أن أصحاب الدراجات الكبرى التي يبلغ سعرها أكثر من 150 مليون سنتيم يظنون بأن رخصة السياقة صنف ب، كافية لقيادتهم الدراجة النارية وهو ما نفاه السيد إلياس مصباح وهو أحد أقدم ميكانيكيي تصليح الدراجات النارية، بحي سان جان بمدينة قسنطينة، حيث أكد للشروق اليومي بأن سياقة السيارة يختلف تماما عن سياقة الدراجة النارية، لأن المكونات مختلفة بالكامل، وحتى ميكانيكي السيارة يختلف عن ميكانيكي الدراجة النارية، ولم نجد ما يجمع بين المهنتين معا، بسبب الاختلاف الكبير بينهما.
وطرح أصحاب مدارس السياقة انعدام ممرات للممتحنين سواء في حالة تعليمهم أو خلال الامتحانات، ورموا الكرة في مرمى مديريات النقل في كل ولاية، واقترح بعضهم امتحانا نفسيا لطالبي رخص الدراجات النارية، لأن بعضهم لا يعتبرها أبدا وسيلة نقل، ويُقبل عليها لأجل ممارسة الرالي والمغامرة وحتى التحرش بالبنات، بل وتستعمل في السرقة وترويج المخدرات كما تبين مختلف الإحصاءات التي تتفضل بها مصالح الأمن والدرك الوطني.
مئات المخالفات من تيزي وزو إلى الشلف
المتابع لهذا الوافد القوي على الشارع الجزائري وهو الدراجة النارية، يلاحظ بأن مستعمليها لا يرتدون الخوذة والتي توازي حزام الأمان بالنسبة للسيارات، ففي ولاية تيزي وزو مثلا، تم تسجيل قرابة 500 مخالفة أبطالها أصحاب الدراجات النارية وهذا منذ بداية سنة 2022، وكانت الخوذة هي السبب الرئيسي، بما لا يقل عن 235 مخالفة، أما بقية المخالفات فهي عدم امتلاك رخصة سياقة ولا يمتثلون للقوانين ويظنون بأن الإشارات المثبتة في الشوارع والطرقات ومحاور الدوران لا تعنيهم وبأن لا حدود للسرعة التي يستعملونها أثناء سيرهم.
وإذا كانت الإحصاءات المقدمة من المصالح المختصة قد بينت بأن حوالي ثمانين بالمائة من المخالفين تتراوح أعمارهم ما بين عشرين وثلاثين سنة، وبأنهم قد تسببوا في ستين حادث مرور في قلب مدينة تيزي وزو، إلا أن وجود مراهقين قصّر ضمن المخالفين المعتمدين على المناورة، هو الذي يجعل من هذه الحملة محكوم عليها، بأن تكون دائمة وليس عابرة، تزامنا مع الدخول الاجتماعي فقط، كما حجزت السلطات الأمنية في ولاية الشلف حوالي مائة دراجة نارية، تسبب أصحابها في إزعاج المواطنين بإطلاق زمارات يضيفونها على الدراجة النارية، وفي أوقات متأخرة من الليل، وتم تسجيل حالات نشل وخطف للحقائب اليدوية والهواتف النقالة بقلب مدينة الشلف، أما عن الرخص ووثائق التأمين، فهي آخر ما يفكر فيه بعض هؤلاء المخالفين وبعضهم عن جهل.
المناورات والتهور ينتقل إلى المناطق الصحراوية
إلى غاية بداية الألفية الجديدة، كان التصور العام، ما بين أبناء بسكرة وأولاد جلال والكثير من المناطق الجنوبية، لجعل الدراجة النارية تقليدا مواصلاتيا يُسهل الحركة ويمكن استعماله من طرف الجميع بما في ذلك الجنس اللطيف، ولكن عدوى المناورات وسياقة الرالي، بلغت المنطقة وحملها مراهقون ما عادوا يعتبرون الدراجة النارية أكثر من وسيلة جنونية، لإزعاج المواطنين وتسجيل 200 مخالفة في عاصمة الزيبان خلال ليالي الصيف الحارة، هو رقم مؤسف في منطقة من المفروض أنها قد تجاوزت هذا الأمر، مثلها مثل ولاية المسيلة التي سجلت حجز 51 دراجة نارية، حيث اتضح بأن غالبية مرتكبيها يركنونها في أماكن مشبوهة ويستعملونها في الترويج للحبوب المهلوسة وغيرها من الآفات، كما أن بعض سائقيها كانوا مزودين بأسلحة نارية ممنوعة.
وظهرت في الآونة الأخيرة في الجزائر سائقات من الإناث للدراجات النارية بالجزائر العاصمة ووهران، كما صارت تستعمل لنقل بعض السلع عبر البيع الإلكتروني والوجبات الغذائية الجاهزة ومزينة أيضا لمواكب الأفراح ووسيلة سياحية لاستكشاف مناطق ساحرة من أرض الوطن في الشمال والجنوب الكبير، وأصبحت الدراجة النارية حقيقة وعضوا ضمن وسائل النقل الموجودة في شوارعنا، ولكن بعض الشباب والمراهقين على وجه الخصوص حولوها إلى شبهة، بدليل ما كشفته حملات التفتيش والمداهمة التي قامت بها مصالح الدرك والتي بينت بأن للدراجة النارية مآرب أخرى وللأسف تصب في خانة أعمال الشر والجريمة بكل أنواعها.