الدرس التونسي
توصّلُ الأشقاء في تونس إلى تشكيل ما يشبه حكومة الوحدة الوطنية، هو بلا ريب خيار حكيم، قد يجنب تونس مطبات وأزمات كثيرة، كانت ستعترضها لو ذهب “نداء تونس” إلى التفرّد بالحكومة، أو إلى تشكيلها من فسيفساء الأحزاب المجهرية، وإقصاء “حركة النهضة” وهو خيار يحسب للنداء كما للنهضة، التي تحلت قيادتها بكثير من الحكمة والتبصّر، وتميزت عن بقية الأحزاب الإسلامية في العالم العربي بقدر من البراغماتية المحمودة.
وحتى الآن تكون النخبة السياسية التونسية قد أظهرت قدرا من النضج قلما حضر عند نظرائها في العالم العربي؛ فقد نجحت حيث أخفق آخرون: في مصر، وليبيا، واليمن، والعراق، وسوريا، بل في بقية الدول العربية التي نجت من حراك الربيع العربي، مثل الجزائر والمغرب، والتي ما زالت النخبة السياسية فيها تعيش في أجواء القرن التاسع عشر، بمفردات الصراع الطبقي والعقائدي الذي اختفى بالكامل في أدبيات وبرامج النخب السياسية في الدول الغربية الديمقراطية.
وخلافا لما قد يلتبس على جانب من النخب، والجمهور العامة في العالم العربي، حيال التعددية الحزبية وتداول السلطة في الغرب، فإن أنظمته السياسية قد انتقلت بسلاسة، من النظام التعددي التقليدي الذي كلف أوروبا كثيرا من الأزمات والمآسي، إلى نظام حكم هو أقرب إلى نظام الحزب الواحد ببذلتين، وعملة واحدة بوجهين، وقد بلغ في الولايات المتحدة نقطة تمنع العودة إلى النظام التعددي التقليدي، ونراه يتبلور بوتيرة سريعة في أوروبا، بحصول ما يشبه التوحّد والاندماج بين القوى اليمينية الليبرالية التقليدية، واليسار الاشتراكي الشيوعي بعد أن أعيد تدويره ورسكلته وإدماجه في برامج وخيارات الدولة العميقة.
بعض الدول الإسلامية استشرفت مبكرا هذا التحوّل، ونجحت في إنتاج نماذج قريبة منه، كما حصل في إيران التي اختصرت الطريق ببناء نظام الحزب الواحد برافدين وقدمين تتداول من خلالهما القوى المهيمنة في الدولة العميقة بقدر من الراحة والمرونة، في تنفيذ سياساتها في الداخل والخارج. وقد تهيّأت فرصٌ كثيرة لبعض الدول العربية لتسير في هذا الاتجاه المهيمن، مثل الجزائر في أعقاب تعطيل المسار الانتخابي، أو في مصر بعد إسقاط مبارك وحتى بعد إسقاط مرسي، وكانت النخبة في البلدين ستجنب الشعبين كثيرا من المآسي والمسالك الملغمة.
وعلينا كنخب وكشعوب أن نتأكد من حقيقة لا ترد، وهي أن الديقراطية التعددية ـ إن وجدت أصلاـ لم يكن لها في ميراثنا السياسي الثقافي نسبٌ وسند، حتى نتعلق بأساطيرها المضللة، كما لم يكن لنظام الحزب الواحد المستبد نسبٌ وسند من التاريخ، سوى ما استنّ به من سلوك السلاطين في عصور الانحطاط، وأن المرجعية الفاضلة التي وضعناها وراء ظهورنا، هي تلك التي سمحت للثلة من الأولين بإحداث ثورة في إدارة الشأن العام، بقيادة نخبة موحدة، لم تحرم نفسها من الاستنارة برأي المخالفين، إنفاذا لحكم الآيتين الكريمتين: “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى ـ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ“(الشورى 38 ) و“فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ـ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ـ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ـ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ـ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (آل عمران 159).