الدستور ليس قرآنا!
عندما ظهرت بوادر تعديل الدستور قبل سنوات، عبر تصريحات متتابعة لرئيس الجمهورية حول ضرورة مواكبة المرجع التشريعي للتحديات الجديدة التي تعرفها الجزائر في ظل المتغيرات العالمية، ساد الساحة السياسية غموض.
-
متعلق بتوقيت التعديل وأسبابه الحقيقية والأهداف التي يرمي إليها
-
وعندما احتد الجدال بين معارضي التعديل ومؤيديه، انبرى مسؤولون حكوميون ليحسموا الجدل الدائر بقولهم إن الدستور ليس قرآنا، ولهذا فهو لا يحمل صفات القطعية والثبات والإحاطة التي
-
يتمتع بها القرآن الكريم، ومن ثمّ يمكن أن يطاله التغيير والتعديل متى ما دعت الضرورة والحاجة إلى ذلك.
-
طبعا، لم يعترض أحد على هذا الكلام، ولا يمكن أن يعترض عليه أحد، لأن الدساتير “نتاج جهد بشري قابل للتطوير والتحسين”، على حد تعبير رئيس الجمهورية أمس بمناسبة افتتاح السنة القضائية، وهو الشيء الذي درجت عليه الأمم التي تسعى لتواكب مستجدات الحياة وتناقضاتها التي أفرزها عالم العولمة، لكنّ الغريب هو أنّ بعض الوزراء ومؤيدي هذا التغيير من ممثلي المجتمع المدني عاملوا المعارضين لهذا التغيير أو المتوجسين منه معاملة من يشكك في القرآن أو يتعدى عليه، فهل سيتحول الدستور المعدّل إلى قرآن لا يجوز الاعتراض عليه، كما جاز الاعتراض على الدساتير السابقة؟!
-
الإعلان عن تعديل الدستور لا ينبغي أن يكون حدثا لذاته، ولكنّ الحدث هو ما سيحمله هذا التعديل من تعزيز المؤسسات الدستورية والفصل بين السلطات وإرساء معالم دولة القانون، لتأسيس دولة قوية لا تتقلب بتقلب الأمزجة ولا تخضع لجماعات الضغط وعُصب المصالح.. بقدر ما تخضع لإرادة الشعب الحالم بجزائر قوية سيّدة.. دستور يحمي الدولة ويحقق قيمة المواطن وكرامته، ويعيد بإصلاح المنظومات التشريعية والقضائية والتنفيذية الثقة بين الحكّام والمحكومين، ليتحد الهدف وتتوحد الغاية، مهما اختلفت الأفكار والقناعات بعد ذلك، ومهما اختلفت الوسائل وتباينت الرؤى.
-
حينها فقط، يصبح تعديل الدستور حدثا مهما، وذكرى جميلة تتناقلها الأجيال خلفا عن سلف.
-