-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الديمقراطية.. أفضلُ صيغة إجرائية لتطبيق الشورى

ناصر حمدادوش
  • 435
  • 0
الديمقراطية.. أفضلُ صيغة إجرائية لتطبيق الشورى

تعدُّ “الشورى” في النظام السِّياسي الإسلامي من القيَّم السِّياسية التي تجسِّد احترام إرادة الشَّعب، إذْ تحقِّق الانسجام بين إرادة الحاكم والمحكوم، وتضْمَن وَحدة الأمَّة، ولمنع أيِّ تغوُّلٍ سلطويٍّ على الحرِّيات وحقوق الإنسان فقد أقرَّ الإسلام مسوِّغاتٍ لمواجهةِ ذلك، ومنها: ضمان التوازن في القوَّة بين الشَّعب والسُّلطة، بما يتجاوز مفهوم المدافعة إلى أدواتٍ أوسع، فتشمل امتلاك الشَّعب للقوَّة السِّياسية والمدنية، وهو ما وصل إليه الفكر السِّياسي الدستوري المعاصر بتطبيق مبدأ المدافعة عبر آلية الاحتكام إلى الانتخابات لتجسيد إرادة الأمة، وممارسة الرَّقابة الشَّعبية على السُّلطة.

إنَّ مواجهة أيَّ استبدادٍ أو فسادٍ يرقى إلى أسمى درجات التعبُّد لله تعالى، وهو من أعظم أنواع الجهاد السِّياسي المدني، كما قال صلى الله عليه وسلم: “أعظمُ الجهاد كلمةُ حقٍّ أمام سلطانٍ جائر”، وقد كرَّس سيُّدنا أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه في خطبة تولِّيه الخلافة سنة 11 هجرية قواعد التوازن بين السُّلطة والشَّعب في مسؤولية الاختيار الحرِّ للحاكم، وواجب الرقابة عليه، بقوله: “يا أيُّها الناس، قد وُلِّيت عليكم ولستُ بخيركم، فإنِ أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإنْ عصيتُ فلا طاعة لي عليكم”.

وقد اتَّجه الفقهُ السِّياسي الإسلامي إلى إحداث التوازن بين إرادة الشَّعب وقوة السُّلطة عبر المدافَعة وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذْ عالج القرآنُ الكريم ظاهرة التوتُّر بين العدل والظلم، وبين الحرية والاستبداد، وبين الصَّلاح والفساد، بهذا التدافع الضامن والعاصم من الفساد والاستبداد، كما قال تعالى: “ولولا دَفْع اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ لفسدت الأرض..” (البقرة:251).

إنَّ سُنَّة التدافع تمارِسُ دورًا مصلحيًّا ورقابيًّا على مكوّنات المعادلة الاجتماعية، وتحمل مضمونًا وغايةً خيريَّةً في المجتمع والدولة، والتي يُحفظ بها صلاحُ الشَّأنِ العام، ويُزال بها الفسادُ عن الأرض، ويُحافَظُ بها على الحيوية في الحياة البشرية، وتُدْفع بها الطاقاتُ نحو التنافس، وقد قال تعالى عن هذه السُّنَّة: “ولولا دَفْعُ الله النَّاس بعضهم ببعضٍ لفسدت الأرض..” (البقرة:151)، وكما أنَّها تحافظ على الدُّنيا من الفساد، فإنَّها تحافظ على الدّين والقيم من الانهيار، كما في قوله تعالى: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” (الحج:40).

إنَّ الفقه الدَّقيق بالقيم السياسية الإسلامية المستمدَّة من نصوصها الشرعية، والإدراك الواعي بفقه الواقع يجعلنا لا نتردَّد في الإقرار بأنَّ الديمقراطية هي أفضل صيغةٍ إجرائيةٍ لتطبيق القيم السياسية للإسلام، ذات الصِّلة ببناء الدَّولة والتداول على الحكم، وأنَّها التطبيق الواقعي للشقِّ الدستوري من الشريعة الإسلامية في العصر الحديث.

ومع أنَّ اللفظة القرآنية: “التدافع” تحمل معنى المفاعلة بحيوية والحِرَاك بقوَّة، إلاَّ أنها أبلغ من لفظة “الصِّراع” أو “التصادم”، والتي تحمل مضمونًا عُنفيًّا استئصاليًّا وعدَميًّا، فهي لفظةٌ عميقةٌ وموحِيةٌ بالتحفيز والتفاعل والتنافس والتنوُّع والتعدُّدية، بل وحتى بالتعاون والتكامل، فهي تحمل كلَّ أنواع المقابلة والمعارضة بين مختلف الثنائيات الفكرية أو الثقافية أو السّياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية من أجل الصَّلاح والإصلاح، وقد تنقل الخصم من موقع العدوّ الهائج إلى درجة الوليِّ الحميم، كما قال تعالى: “ولا تستوي الحسنة ولا السَّيئة، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنَّه وليٌّ حميم” (فُصّلت:33)، فهي تهدف بالمعنى القرآني إلى تصحيح الاختلالات بين المختلفين، والوصول إلى التوازن والعدل والصَّلاح بين المتنافسين.

والتدافع وفق التصوُّر الإسلامي لا يعني الهيمنة المطلقة ولا التبعية الكاملة، بل هو امتلاكُ القوّة وفاعلية القيم والمقاومة الشاملة ليبقى هذا التدافع مستمرًّا ودائمًا في مسيرة الاجتماع البشري، وفق إرادة الله في خلقه، كما قال: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ” (هود:118)، وهو ما يعني أنَّ التعدُّدية والتنافسية هي الأصل الذي يجب أنْ يهزم الأحادية والهيمنة..

إنَّ التطبيقات العملية لمبدأ الشورى وآلية اختيار وليِّ الأمر بالبيعة، وتباينها بين الخلفاء الراشدين تدلُّ أنَّ طبيعة النظام السياسي في الإسلام، وآليات ممارسة الحكم فيه ليست توقيفية جامدة، بل هي آلياتٌ اجتهاديةٌ وتقديرية، وهو ما يجعل الفقه السياسي الإسلامي يتميز بالمرونة، ويتكيَّف مع ما يصل إليه العقل البشري من الآليات التي تجسّد تلك المبادئ والقيم. وإنَّ الفقه الدَّقيق بالقيم السياسية الإسلامية المستمدَّة من نصوصها الشرعية، والإدراك الواعي بفقه الواقع يجعلنا لا نتردَّد في الإقرار بأنَّ الديمقراطية هي أفضل صيغةٍ إجرائيةٍ لتطبيق القيم السياسية للإسلام، ذات الصِّلة ببناء الدَّولة والتداول على الحكم، وأنَّها التطبيق الواقعي للشقِّ الدستوري من الشريعة الإسلامية في العصر الحديث.

لقد امتدت رحلة البحث في التوفيق بين الإسلام والديمقراطية، وانطلقت جدلياتُها منذ السُّقوط الرسمي للإطار السياسي للأمة الإسلامية في العصر الحديث بعد سقوط الخلافة رسميًّا سنة 1924م. وإذا كان الفكرُ السِّياسي المعاصر قد انحاز إلى أولوية الدولة على الأمَّة في القوة، فقد كرَّس الإسلام أولوية الأمَّة على السُّلطة، إذْ أنَّ الإسلام ذو طبيعةٍ دستوريةٍ وقانونية، يحترم إرادة الأمة كمصدرٍ للشَّرعية السِّياسية، فيفرض عليها الواجب في الشُّورى، ويمنحها الحقَّ في الاختيار، ويُلزمها بفريضة ممارسة الرَّقابة على السُّلطة. وعندما نتحدَّث عن وجوب وجود السُّلطة في الأمة، وعدم جواز وقوع الفراغ السياسي والمؤسَّساتي فيها، فقد حرص الإسلام على تنظيم الحياة العامَّة للنَّاس، فقال صلى الله عليه وسلّم: “إذا كنتم ثلاثةً فأمِّروا عليكم أحدَكم”، وحذَّر من خطورة غياب واجب الولاء والانتماء والبيعة لهذه السُّلطة، فقال: “مَن مات وليس في عنقه بيعةٌ مات ميتةً جاهلية”، وشرعية هذه السُّلطة لا تقوم إلاَّ على الحرية والرِّضا في الاختيار، فقال: “ثلاثةٌ لا تُرتفع صلاتُهم فوق رؤوسهم شِبْرًا، ومنهم: رجلٌ أمَّ قومًا وهم له كارِهون”، وهي كما تصدُق في الإمامة الصغرى في الصلاة، فهي في الإمامة الكبرى (الرئاسة) في الدولة.

ولا تكون الشرعية السياسية للسُّلطة في الأمة إلا عبر الإرادة الشعبية بالشورى والبيعة (الانتخابات)، قال تعالى: “لقد رضي الله عن المؤمنين إذْ يبايعونك تحت الشَّجرة..” (الفتح:18)، وقال: “وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكّل على الله..” (آل عمران:159).

لقد أصبح الاحتكام إلى الدّيمقراطية كآليةٍ معاصرةٍ لمعرفة إرادة الأمَّة وقياس رأيها واستعادة سيادتها من المعلوم من الدُّنيا بالضَّرورة، وهذه النَّظرة التوفيقية بين مبدئية الشّورى وآلية الدّيمقراطية هي من الاجتهاد الفكري والإبداع المعرفي والتجديد السّياسي الذي يجب أن نستند إليه، وخاصّة بعد هذا الانتقال الإيجابي من منطق الإطلاقية اللاّغية للمخالِف إلى منطق النّسبية القابِلة للتعايش معه، ومع أنَّه لا يوجد نظامٌ ديمقراطيٌّ مثاليٌّ، على اعتبار أنَّ الديمقراطية اجتهادٌ بشريٌّ ناقصٌ وقاصِر، إلاَّ أنَّها أفضل ما توصَّل إليه العقل البشريُّ في تنظيم الشَّعب والسُّلطة والدولة، وفي تجسيدٍ لإرادة الأمَّة في التداول السّلمي على السُّلطة.

إنَّ الانتخابات المعاصرة هي آليةٌ من الآليات المتاحة والمباحة في تنظيم حياة الناس، وهي وسيلةٌ من الوسائل المقدور عليها في اختيار أولي الأمر في الإسلام، وهو من أعظم واجبات الدين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (يجب أن يُعلم أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها..).

إنَّ هذا الرَّبط الفكري والفقهي بين مسألة التعددية السياسية والتدافع السِّلمي، وهذا التجسيد الواقعي لإرادة الأمة بين مبدئية الشورى في الشريعة الإسلامية وبين آلية الديمقراطية المعاصرة يؤكد على حالة الوصل بين السلطة والدولة والأمة في الإسلام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!