“الدّولة” كلّها نائمة!
الإجراءات الحاسمة التي قام بها مدير مستشفى ابن باديس بقسطينية بتوقيف 23 منتسبا إلى المستشفى بين طبيب وممرض وعامل، بعد أن اكتشف صدفة أنّهم كانوا كلهم نياما في وقت كانوا مكلّفين بالمداومة برعاية المرضى والسّهر على راحتهم واستقبال الحالات التي ينقلها المواطنون إلى المستشفى.
والغريب في الموضوع أنّ ذات المدير اتخذ إجراءات مماثلة في حق أطباء وموظفين آخرين لذلت الأسباب، مما يؤكد أن الأمر لا يتعلق بحالة إهمال واحدة وإنما يتعلق بمنظومة إهمال موجودة في كل المؤسسات وعلى كل المستويات.
فعلا… فالحالة التي وجدها المدير في مؤسسته عندما قام بزيارة مفاجئة هي نفسها الموجودة في أغلب المؤسّسات الاستشفائية الأخرى، وكل من نقل مريضا من عائلته ليلا وقف على هذه الحقيقة المرة، حيث تضيع حياة الكثير من المرضى بسبب يتعلق بالتقصير على مستوى معين.
وعليه، يطرح السؤال عن الدّور الذي يقوم به المسؤولون على هذه المؤسسات، ولماذا لا يقومون بزيارات مفاجئة؟ أو يتقمّصون شخصيات المرضى ويقفون بأنفسهم على معاناتهم في مصالح الاستعجالات وباقي الأقسام في المستشفيات.
إنّ جولة واحدة داخل أحد المستشفيات كافية لأخذ صورة واضحة عن الطّريقة التي يتم التعامل بها مع المرضى، حيث يغيب الاحترام والمعاملة الطيبة عكس ما هو موجود في دول أخرى حيث تتم مراعاة الحالة النفسية للمريض قبل الاهتمام بعلته الجسمانية وهذا أمر يكاد ينعدم في مؤسساتنا.
والأخطر من ذلك أنّ مستشفياتنا تحولت إلى مستنقعات تنقل الأمراض بدل علاجها، جرّاء حالة التسيّب والإهمال، واستقالة المسؤولين عن القيام بواجباتهم في الرّقابة ومحاسبة المتهاونين في أداء مهامهم، مع أن الأمر يتعلق بحياة الناس وسلامتهم من الأمراض والأوبئة.
إنّ الأمر لا يتوقّف عند المستشفيات والمراكز الصّحية، وإنّما ينسحب على كلّ مؤسسات الدّولة الأخرى التي تعشش فيها البيروقراطية وتسود فيها اللامبالاة، ويتسبب العاملون فيها في ضياع مصالح المواطنين وإرهاقهم.
إنّ البيروقراطية وسوء التّسيير وغياب الرّقابة والمحاسبة هي السبب الرّئيسي في حالة التخلف التي نعيشها في كافة المجالات، بل إن كل المآسي التي يعيشها المواطن سببها تقصير قام به موظف ما في مكان ما، ولا أمل من الخروج من هذا الوضع الكارثي إلاّ بتفعيل المراقبة والمحاسبة واتّخاذ القرارات العقابية مهما كانت قاسية، لأن ذلك كفيل بتحسين الخدمة العمومية التي أصبحت مع الوقت رديفا للرداءة.