الرد الإسرائيلي على إيران.. تمخض الجبل فولد فأرا
منذ أسابيع وما يسمى “إسرائيل”، تهدّد وتتوعد إيران برد “مزلزل” يستهدف منشآتها النووية والنفطية وقواعدها العسكرية، ثم جاء الرد باهتا خافتا اقتصر على استهداف بعض القواعد العسكرية، وهو الاستهداف الذي قلّلت طهران من شأنه وحجم تأثيره فيما هلّلت له تل أبيب، وأحاطته بهالة كبيرة من التقارير المضخّمة والأخبار المزيّفة التي ينفخ فيها الإعلام الصهيوني بشكل مبالغ بعيد عن الواقع.
تنطبق على إسرائيل بعد هذا الرد الباهت مقولة “أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه”؛ فقد عزّز هذا الرد الذي جاء أقل من المتوقع، ما تناقلته مصادر الاستخبارات الحربية الإيرانية من أن إسرائيل باتت بعد “طوفان الأقصى” ومعركة غزة أضعف من أي وقت مضى في ظل الجبهات العديدة التي فُتحت عليها، من غزة والعراق واليمن ولبنان، ولولا الدعم الأمريكي لها لأضحت في خبر كان ولتلاشت ولتقهقرت إلى ما وراء حدود 48.
لقد صدق ما تناقلته مصادر الاستخبارات الحربية الإيرانية، فبعد أسابيع من التهديد والوعيد، تمخّض الجبل في تل أبيب فولد فأرا، وفي المقابل تتخوّف أبيب الآن من رد إيراني محتمل قد يربكها ويفقدها توازنها، ولذلك سارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى احتواء الوضع من خلال حثّ إيران على “ضبط النفس” وعدم الرد لمنع توسع نطاق المواجهة والدخول في حرب إقليمية شاملة، ولكن يبدو أن إيران لن تهضم هذا ولن تتقبّله، وستتصرف -كما ورد على لسان بعض المسؤولين الإيرانيين- وفق ما تقتضيه مصلحتها القومية التي يقرّرها المجلس الأعلى للأمن القومي بعد الفراغ من تقييم كل الأضرار ومن ثم تقرير ما تراه مناسبا.
لقد برّرت إسرائيل فشلها في إصابة الأهداف النووية والنفطية الإيرانية كما نقلت “آن. بي. سي” عن مسؤول صهيوني قوله إن إسرائيل لا تضرب المنشآت النووية وحقول النفط بل تركز ضرباتها على القواعد العسكرية، ولعمري متى كانت إسرائيل تتحلى بهذا المستوى من الأخلاق، وهي الكيان المارد المتمرد الذي لا يردعه قانون ولا تحكمه أخلاق؟ فإسرائيل لو كان باستطاعتها أن تزيل إيران من على وجه الأرض لفعلت ولكن حبسها حابس الفيل لأنها تعلم بأن أي ضربة متهورة ستقابَل بضربة إيرانية أشد وأنكى، ولهذا السبب فقط أحجمت واقتصرت في ردها على بعض القواعد العسكرية ردا للاعتبار وللتظاهر بأنها لا تزال متمسِّكة بزمام القوة بعد الضربات الموجعة التي تلقّتها على أكثر من محور في غزة ولبنان واليمن والعراق وآخرها هجوم “الوعد الصادق 2” الذي أصاب العمق الإسرائيلي وكبّد إسرائيل خسائر معتبرة تكتّمت على كثير منها تحت ذريعة كون ذلك من اختصاص مجلس الحرب ومما يشمله واجب التحفظ.
في تقديري أن الكيان الصهيوني يمر منذ السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبه بحالة من الضعف غير مسبوقة في تاريخه، ولكنه يحاول إخفاء ذلك بمزيد من التدمير والتفجير والتهجير الذي يستهدف المدنيين بشكل متعمّد، ثم يعدّ هذا مكسبا ميدانيا وإنجازا عسكريا. إن المكاسب الميدانية والإنجازات العسكرية تتحقق في ساحة المعركة وليس في الساحات العمومية بالانتقام من المدنيين العزّل الذين لا حول لهم ولا طول وليس بأيديهم ما يردون به على العدوان ويدرأون به الأذى عن أنفسهم.
تعاني الدفاعات والقبة الحديدية الإسرائيلية من ضعف ظاهر للتصدي للهجومات الصاروخية التي تستهدفها، وهذا ما يفسر إمداد الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل بمنظومة “ثاد” الدفاعية المضادة للصواريخ “البالسيتية”. إن تفسيري لهذا الأمر يسير في ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول وهو احتمال كون الدفاعات الإسرائيلية قد استنفدت أمام الهجمات المتعددة والمتكررة لمحور المقاومة وجبهات الإسناد في لبنان واليمن والعراق. والاتجاه الثاني هو أن تكون هذه الدفاعات والقبة الحديدية الإسرائيلية مصمّمة لنوع من الصواريخ ولم تعد صالحة للتصدي للجيل الجديد من الصواريخ التي حصلت عليها المقاومة أو أعادت تطويرها. والاتجاه الثالث، هو حرص إسرائيل على الاحتفاظ بأكبر عدد من الدفاعات والقبة الحديدية لمواجهات حاسمة منتظرة في ظل ازدياد واتساع رقعة المواجهة بينها وبين المقاومة من جهة وبينها وبين إيران من جهة أخرى.
وما يزيد من مخاوف تل أبيب هو تصريح بعض المسؤولين العسكريين الإيرانيين بأن منظومة “ثاد” لن تقف عائقا أمام استهداف أي موقع عسكري وحيوي في إسرائيل، وأن هذه المنظومة لن توفّر لها الأمان الذي تحلم به ولن تغير من الواقع شيئا ولن تؤثر في موازين القوة، ولعل هذا هو السبب الذي جعل إسرائيل تكتفي بردّ باهت من أجل اختبار مدى حجم الردع الإيراني وبناء عليه تقرّر إسرائيل تنفيذ المرحلة التالية من الضربات من عدمها.
إن هذا الاختبار يدخل ضمن الإستراتيجية الحربية التي تقوم على مبدأ استفزاز الخصم برد محدود في انتظار رد أكبر، ولا أعتقد أن إيران غير متفطنة لذلك بل هي على علم بكل ما تخطط له إسرائيل، وهذا ما يستشفّ من تصريحات كبار المسؤولين الإيرانيين.
أتوقّع من جهة أن تكتفي إسرائيل بهذا الرد الذي لا يتجاوز حدود حفظ ماء الوجه وحفظ كبرياء الجيش الذي لا يُهزم كما تروج لذلك، لأنها تتحاشى الصدام مع إيران أو تؤجله إلى حين، كما أتوقّع من جهة أخرى، ألا تقوم إيران بالرد على الهجوم الإسرائيلي
-على الأقل على المدى القريب- وذلك لسببين اثنين، السبب الأول هو أن الضربات الإسرائيلية كانت ذات تأثير محدود ولم تمسّ المنشآت النووية والنفطية، وهي ضربات تعدّ في نظر إيران شكلا من أشكال رد الفعل وليس لها التأثير الكبير الذي تحدثت عنه إسرائيل.
كل هذا يدخل في سياق التخمينات والتوقعات، فقد تأتي الردود والردود المقابلة مخالفة لما ذكرت، فالمواجهات العسكرية لا يمكن تقرير مسارها ولا التنبؤ بمآلاتها لأنها محكومة بتطورات الوضع الميداني التي لا يعرفها إلا أصحاب القرار والمنفّذون في الميدان ولا تحيط بها أي تقارير إخبارية أو استخباراتية إلا من باب التوقعات -كما أسلفت- التي لا تغني من الواقع شيئا.
كثفت إسرائيل -بعد هذا الرد- من اتصالاتها الدبلوماسية مع حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، هذا الأخيرة التي تسعى لوضع حد للتشنج الإيراني الإسرائيلي بالتخلي عن منطق المواجهة وتفعيل الآلة الدبلوماسية من أجل تفادي حرب إقليمية ستكون لها تداعيات خطيرة على العالم وعلى عالم النفط بالدرجة الأولى ولن تكون الولايات المتحدة الأمريكية بمنأى عنها. لهذا السبب، يسابق بلينكن الزمن من أجل احتواء الوضع ومنع تفاقم الأزمة بين إيران وإسرائيل بما يخدم إسرائيل في حربها ضد “حماس” و”حزب الله” والكيانات “الإرهابية” -كما تصفها وتصنفها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يندرج ضمن سعي الإدارة الأمريكية الحالية لتخفيف الخناق عن إسرائيل ومنحها متنفسا لمواصلة حربها “المقدسة” ضد “محور الشر” المعادي لحركة “التنوير”.
إن المواجهة الإسرائيلية الإيرانية ستبلغ مداها في حالة فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويجدر القول في هذا السياق بأن نتن ياهو ينتظر عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض من أجل استكمال مشروعه التدميري ومواصلة عدوانه على غزة ولبنان وإيران، وهناك سببان اثنان يرجحان هذا التوقع: السبب الأول هو أن ترامب معروف بعدائه الشديد للدولة الفلسطينية وبتحيزه الظاهر إلى إسرائيل وما قراره قبل أربع سنوات بـ”يهودية القدس” إلا دليلٌ على ذلك، ويضاف إليه أن اللوبي الصهيوني سيضغط في حالة فوز ترامب في اتجاه التصعيد الذي سيتجاوز المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية إلى المواجهة الإسرائيلية الإيرانية، وقد حرض ترامب في تجمع انتخابي في كارولاينا الشمالية إسرائيل على ضرب المنشآت النووية الإيرانية ردا على عملية “الوعد الصادق 2” التي نفذتها إيران في العمق الإسرائيلي فيما يعارض الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن ضرب المنشآت النووية. إن عودة ترامب إلى البيت الأبيض في هذه الظروف الإقليمية والدولية المتوترة سيزيد من احتمالات تطور الصراع في الشرق الأوسط إلى صراع إقليمي إذا ما جرى استهداف المواقع النووية والنفطية بتصرف متهور من إسرائيل إذا أحست بأنها قد خسرت الرهان في غزة ولبنان وأحست بخطر إيراني حقيقي أو متوهم.
* تنطبق على إسرائيل بعد هذا الرد الباهت مقولة “أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه”؛ فقد عزّز هذا الرد الذي جاء أقل من المتوقع، ما تناقلته مصادر الاستخبارات الحربية الإيرانية من أن إسرائيل باتت بعد “طوفان الأقصى” ومعركة غزة أضعف من أي وقت مضى في ظل الجبهات العديدة التي فتحت عليها، من غزة والعراق واليمن ولبنان، ولولا الدعم الأمريكي لها لأضحت في خبر كان ولتلاشت ولتقهقرت إلى ما وراء حدود 48.