الروافد والمصبات
محمد يعقوبي: [email protected]
مهم جدا أن تعتني الدولة بالزوايا والطرق الصوفية لما لها من أثر راسخ في لحمة المجتمع وانسجامه، لكن الأهم من ذلك أن تولي الدولة الإهتمام نفسه للمعاهد الإسلامية وكليات الشريعة، وتبسط سيطرتها على نوعية الأجيال المتخرجة من هذه الكليات حتى لا تتحول مساجدنا إلى “الموزاييك” الديني الذي تحدث عنه وزير الشؤون الدينية.الحاصل أن الزوايا والطرق الصوفية أخذت الأضواء في السنوات الأخيرة من المؤسسات الدينية المعوّل عليها في صقل الشخصية الوطنية، فلم يعد لكليات الشريعة والمعاهد الدينية وحتى المجلس الإسلامي الأعلى الأهمية المرجوة منها تربويا وتعليميا بدليل أن وزارة الشؤون الدينية هي نفسها تشكو من “نوعية محددة” من الأئمة تسيطر على المساجد، والواقع أن هؤلاء الأئمة الذين كثرت منهم الشكوى في السنوات الأخيرة لم يأتوا من المريخ ولم نستوردهم من “السعودية”، بل هم شباب جزائريون توفر لديهم نمط معيّن من التكوين في كليات ومعاهد جزائرية وفق برامج ومقرّرات جزائرية 100 بالمائة، فتشكل لديهم التصور الذي تتحفظ عليه الوزارة ويثير قلقها.
حتى وإن كانت كل تخوفات غلام الله مشروعة ومنطلقة من حرص نبيل على وحدة وتماسك المجتمع، لكن الدولة لم تقدم “السبت” حتى تبحث عن “الأحد” ولم تحاول الوقوف على واقع وآفاق الدراسات الإسلامية في الجزائر كما تفعل بعض البلدان الإسلامية التي تحرص على وضوح واكتمال شخصية المواطن المطلوب في هذا البلد أو ذاك، خاصة وأن المعتقدات الدينية هي أهم عوامل تماسك ووحدة الجزائريين، وإذا ما ضاعت بوصلة “التفاهم” المذهبي والعقائدي في الجزائر لا يمكن التعويل على أي روافد أخرى للمّ الشمل وإعادة اللحمة.
الحصانة المضمونة للأجيال القادمة من الأفكار الشاذة والتصورات الخاطئة هي عناية الدولة بالتكوين الديني الرسمي في البلاد والعناية بقوافل المتخرجين من المعاهد والكليات الإسلامية والكف عن إقصائهم من أية وظائف قضائية وإدارية ترشحهم لها مؤهلاتهم العلمية، وهي العناية التي من شأنها أن تعصم هذه الأجيال من أية إنحرافات فكرية أو عقدية تجر البلد إلى متاهات شبيهة بسنوات الإرهاب، وحتى تكون المصبات صافية ونقية يجب أن تكون الروافد والمنابع على نفس درجة الصفاء والنقاء.