الرياح التي لم تُسقط الجزائر
مقدمة تمهيدية
في مساءٍ رماديّ من نهايات أكتوبر، كانت الشاشات تمطر عناوين، وتغصّ المواقع الإخبارية بتقارير متشابهة حتى التطابق. “الجزائر معزولة”، “الجزائر فقدت نفوذها”، “الجزائر تُعاقَب بصمتها”.
لم يكن الأمر تحليلًا بقدر ما كان حملةً متناسقة، يُسمع فيها الصدى قبل الأصل. وخلف هذه الجوقة من العناوين، كانت هناك رغبة واحدة تُحرّك الخيوط: أن يُقال إن الجزائر وقعت، وأن الريح أخيرًا استطاعت أن تكسر الصخر. لكن الجزائر لم تقع.
لأن ما يُكتب بالعجلة لا يُمحى بالزمن، وما يُبنى على الدعاية لا يصمد أمام الوعي. وهنا يبدأ السؤال الذي لا يريد أحد أن يسمعه: لماذا هذا الإصرار على كسر صورة الجزائر؟ ولماذا تتحوّل كل مناسبة دولية إلى منبر لتأديبها؟ هل لأنها صامتة أكثر مما يريدون، أم لأنها تتحدث بلسانها لا بلسانهم؟.
1. لحظة القرار وولادة العاصفة:
عندما صوّت مجلس الأمن على القرار الأممي رقم 2797، كان الحدث دبلوماسيًا عاديًا في شكله، متوازنًا في لغته، متكرّرًا في مضمونه. قرار يمدّد مهمة البعثة الأممية، ويعيد التأكيد على “حلّ سياسي متوافق عليه يضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها”.
لكن بعد ساعات من التصويت، تحوّل النصّ إلى معركة إعلامية. كتبت الصحف الناطقة باسم دوائر النفوذ عن “انتصار ساحق” لهذا الطرف، وعن “هزيمة مدوّية” لذاك. وتسابقت الأقلام في نحت تعابير من قبيل: “الجزائر تفقد وزنها”، “الديبلوماسية المتحجرة”، “الخطأ الإستراتيجي”.
غير أن العارفين بدهاليز القرار الأممي يعلمون أن النص لم يمنح لأحد انتصارًا ولا اعترافًا. وأن “الانتصار” المزعوم لم يكن سوى ضجيج إعلاميّ يغطي على حقيقة أخرى: الجزائر لم تغيّر موقفها، ولم تُساوم على مبادئها، لأنها ببساطة لا تملك رفاهية بيع الذاكرة مقابل تصفيق مؤقّت.
“في السياسة، لا شيء يربك خصومك أكثر من هدوئك.”
2. من الخبر إلى الرواية:
الخبر في أصله معلومة. لكن حين يمرّ عبر نفق التوجيه، يتحوّل إلى رواية لها أبطال وأشرار ومغزى أخلاقيّ. وهكذا تحوّلت الجزائر، في رواية الإعلام الغربي وبعض جيرانه، إلى “الرافض”، “المتشدد”، “العقبة أمام الاستقرار”.
لم يكن الهدف فهم موقف الجزائر بل تأديبه. فقد كانت الحملة أقل اهتمامًا بالقرار الأممي، وأكثر شغفًا بإعادة صياغة صورة بلدٍ يرفض أن يُختزل في تعليمات السفارات. بدأت القصة من كلمة: “الجمود”.
ثم أضيفت إليها مرادفات جاهزة: “الانعزال”، “العناد”، “العزلة”. كأنّ الجزائر خرجت لتوّها من درس في “الامتثال الدولي”، فعوقبت لأنها لم تردّد الجواب كما كُتب في السبورة.
لكنّ القارئ الجزائري لم يكن ساذجًا. فقد رأى في كل سطر من تلك المقالات ظلال استعمار قديم يطلّ من جديد، بلغة أكثر أناقة، وأقلام أكثر لياقة، لكنها تنهل من المنبع ذاته:
منبع رفض فكرة أن يكون للجزائر منطقها الخاص وحقها في الخطأ والصواب.
“من يملك كلمته، يملك معناه في العالم.”
3. الجوقة والنسخة المكرّرة:
في الأيام التي تلت القرار، تكرّر المشهد كأنه نسخة واحدة تُعاد بلكنة مختلفة. صحف فرنسية كبرى تنقل عن مراكز تحليل، وهذه المراكز تنقل عن وكالات مغاربية، والوكالات تعيد نشر ما صدر عن الصحف نفسها.
دائرة مغلقة تُعيد إنتاج الرواية ذاتها: الجزائر خاسرة، والآخر رابح، والنهاية معروفة. وما بين الفواصل، تسلّلت بعض الأصوات الفردية من دول شقيقة، تحاول ركوب الموجة الإعلامية لتظهر بمظهر “المحلل المتوازن”.
غير أن الشعوب، كما العقول الحرّة، كانت أكثر وعيًا من أن تنخدع بتلك المسرحية القصيرة.فلم تمض أيام حتى تبيّن أن المواقف الرسمية لتلك الدول لم تتغيّر، وأن الأصوات النشاز لم تكن سوى محاولات شخصية، تُضخّمها المنابر الطامعة في إشعال مزيد من “الجدل المغاربي”.
ولأن الرياح لا تُصنع في القاعات، ظلّت الجزائر ثابتة في موقعها، تتأمل المشهد بهدوء، وتترك الآخرين يكتشفون أن الصمت أحيانًا أبلغ من البيان.
“ليس الصراخ دليلَ قوّة، كما أن الصمت ليس علامةَ ضعف.”
4. تشريح العاصفة:
كلُّ حملةٍ، مهما بلغت منسوب الضجيج فيها، تقوم على أربع ركائز: تحديد المتهم، حذف السياق، قلب الأدوار، وإضفاء الطابع الأخلاقي على التهمة. في هذه الحالة، كان “المتَّهم” جاهزًا: الجزائر.
وتمّ حذف السياق بمهارة، فلا أحد تحدّث عن القانون الدولي، ولا عن القضايا المعلّقة منذ عقود، ولا عن مسؤولية القوى الكبرى في تجميد الحلول. ثمّ جرى قلب الأدوار، فصارت الدولة التي تطالب بالشرعية الأممية هي المذنبة، وتلك التي تراوغ في تنفيذها هي “البراغماتية الواقعية”.
وأخيرًا، أُلبس المشهد ثوبًا أخلاقيًا: أصبحت الجزائر “قاسية”، وخصومها “حكماء”، والمجتمع الدولي “الوسيط العادل”. هكذا، في مسرح الدعاية، يكفي أن تُغيّر ترتيب الكلمات لتقلب الحقائق. لكنّ التاريخ لا يُقاس ببلاغة المقالات، بل بثبات المبادئ.
والجزائر التي تعلّمت معنى الصبر منذ حرب التحرير، تعرف أن الصخب لا يصنع شرعية، وأن ما يُبنى على الكلام يسقط حين يحين وقت الفعل.
«الزمن، لا الصوت، هو من يُعلن المنتصر.»
5. الذاكرة التي تُخيف:
ليست المشكلة في الموقف الجزائري فحسب، بل في ذاكرة الجزائر ذاتها. فهذه الذاكرة تُذكّر العالم بأن التحرّر ليس منحة، وأن الشعوب التي كسرت أغلالها ذات يوم لا تقبل العودة إلى القيود ولو بأسماء جديدة.
في الخطاب الغربي، تُقلق الجزائر لأنها تذكّرهم بما يريدون نسيانه. في المخيال الإقليمي، تُربك لأنها لا تدخل لعبة “التوازنات السريعة” التي تُبنى على المقايضات. إنها بلدٌ خرج من الحرب ومعه درس واحد: أن الحرية لا تُدار بالإعارات، بل تُصان بالدم والوعي والكرامة.
كلّ هذا يجعلها غير قابلة للترويض الإعلامي. ولذلك، كلّما لاحت مناسبة أممية أو إقليمية، تتجدّد الرغبة في “تصحيحها” عبر المقالات والافتتاحيات. لكنّ الجزائر لا تردّ، لأنها تعرف أن الدعاية لا تستحق ردًّا، بل تستحق أن تُترك لتختنق في ضجيجها.
«الأمم التي تُدافع عن حقّها، تُربك الذين تاجروا بحقوق الآخرين.»
6. الخطاب الذي يشبه صاحبه:
الإعلام، في جوهره، مرآة لمن يُموّله أو يُحرّكه. والخطاب الذي هاجم الجزائر لم يكن سوى صدى لخيباتٍ أخرى: خيبة نفوذٍ سياسيٍّ في القارة، وخيبة مشاريع لم تجد من يشتريها إلا بالكلام.
كان الهجوم إذن تعويضًا رمزيًا، محاولةً لتقليص الفارق بين مَن ما زال يملك قراره ومَن باع قراره منذ زمن. فالمقال الذي يتّهم الجزائر بالجمود إنما يعبّر عن عجز أصحابه عن فهم منطقها:
إنها تتحرّك بثبات، لا بسرعة، لأنّها تعرف إلى أين تسير.
وفي مواجهة هذا الخطاب الموجَّه، لم يكن الردّ الجزائري صداميًا ولا دعائيًا. بل كان التزامًا صارمًا بالهدوء، ومواصلة العمل الدبلوماسي بعيدًا عن الاستعراض. وهنا يكمن الفارق بين من يصنع الحدث ومن يعلّق عليه.
«الذين يملكون التاريخ، لا يحتاجون إلى الصراخ كي يُثبتوا وجودهم.»
7. الجزائر: فلسفة الصمت والاتزان:
الصمت ليس حيادًا، بل أحيانًا هو أبلغ أشكال الرفض. والجزائر، منذ تأسيس دبلوماسيتها الحديثة، تعلّمت كيف تُجيب بالصبر عن الاستفزاز، وكيف تحوّل الإهمال إلى قوّة معنوية. هذا الصمت ليس عجزًا عن الردّ، بل هو ثقة في أن الحقيقة لا تحتاج إلى صوت مرتفع لتُسمَع.
ولذلك، حين كانت المقالات تُهين، كان المسؤول الجزائري يبتسم. وحين كانت التحليلات تتكهّن، كانت الجزائر تواصل شراكاتها الإقليمية والدولية بثبات لا يُثير العناوين. إنها فلسفة كاملة في التعامل مع العالم: أن تكون حاضرًا من دون ضوضاء، قويًّا من دون استعراض، وهادئًا من دون ضعف.
وهذا بالضبط ما يجعلها عصيّة على الفهم لدى أولئك الذين لا يرون القوّة إلا في الميكروفون.
«الهدوء الذي يسبق العاصفة، في الجزائر، هو الهدوء الذي يبني بعدها.»
8. حين ينقلب المشهد:
من المفارقات اللافتة أنّ الهجوم على الجزائر لم يُضعف صورتها، بل كشف ضعف من هاجمها. فكلما ارتفع صخب الاتهامات، بدا للقارئ المنصف أنّ وراء هذا الضجيج شيئًا من الخوف. خوف من نموذج سياسيٍّ يُصرّ على الاستقلال في القرار، وخوف من ذاكرةٍ لم تُمحَ، تُذكّر الآخرين بما فعلوه حين باعوا القضايا بثمنٍ بخس.
هكذا انقلب المشهد من دون إعلان. فالمقالات التي أرادت أن تُدين الجزائر تحوّلت مع مرور الوقت إلى شهادةٍ ضدّ أصحابها. وحين بدأ الناس يقارنون بين النصوص والواقع، اكتشفوا أن الجزائر لم تقل شيئًا، لكنها ظلّت تُفعل أشياء. إنها لا تتكلّم كثيرًا، لكنها تعمل بهدوء، وتبني بعيدًا عن الأضواء.
«الحقّ لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى صبر.»