الشاذلي “هرب” بسبب “الفيس”.. ونزار رفض استخلاف بوضياف
أصدرت دار القصبة الطبعة العربية لكتاب علي هارون “الحصن المنيع”.. “توقيف الانتخابات التشريعية جانفي 1992 أمام رعب الجهاديين”، وهو الكتاب الذي كان قد صدر بالفرنسية عن نفس الدار في عام 2013. تصدر الطبعة العربية على هامش المعرض الدولي للكتاب لعضو المجلس الأعلى للدولة سابقا ووزير حقوق الإنسان الأسبق في توقيت تميز بعودة النقاش بين صناع المشهد في تلك الفترة، خاصة فيما تعلق بتوقيف المسار الانتخابي واستقالة الشاذلي بن جدد.
يقرّ علي هارون أن صناع المشهد في تلك الفترة كان عليهم أن يختاروا “بين الشرعية” الانتخابية وبين “المشروعية” التي تقتضي الأخذ بعين الاعتبار الاتجاه الذي كانت ستأخذه الجزائر بعد الانتخابات، لأن هذا “الطريق كان يؤدي، كما أعلن عنه بوضوح تام، إلى دولة ثيوقراطية، متنكرة لمبادئ التسامح، وحرية التفكير، والمساواة بين الجنسين“، مؤكدا أن تصريحات قادة الفيس أنذاك كانت تؤكد قيام دولة إسلامية، حيث وصف علي بلحاج الديمقراطية بالكفر، وأعلن رابح كبير انه على الشعب أن يفهم أنها آخر انتخابات سيخوضها، لأن الأمر سيؤول بعدها إلى مجلس الشورى وعلى هذا الأساس.
وحسب “شهادات” علي هارون فإن توقيف المسار الانتخابي كان إنقاذا للجزائر من قفزة في المجهول، مؤكدا في نفس السياق وعبر سرده للأحداث على الجهود التي كان على أعضاء مجلس الدولة القيام بها داخليا لإعادة الأمل للشعب وخارجيا لفك العزلة عن الجزائر وتصحيح الصورة التي كان الغرب قد رسمها عن من وصفهم البعض بـ“الانقلابيين“.
فوز الفيس كان مفاجأة غير منتظرة للسلطة
يقول علي هارون أن النتائج التي حصل عليها الفيس المحل كانت مفاجأة للساحة ولم تكن متوقعة، حيث قال أن “ما ضاعف من هول الصدمة أن أكثر التوقعات تشاؤما كانت تتكهن أن يكون المجلس الشعبي الوطني الجديد، مشكلا بثلث أصوات لجبهة التحرير الوطني، وثلث للديمقراطيين والمستقلين وثلث للإسلاميين. بدت السلطات العمومية والمصالح الأمنية مقتنعة بتلك التوقعات، بالنظر إلى كون الدور الذي تلعبه تلك المصالح في ممارساتنا الانتخابية، عاملا لا غنى عنه، إن لم يكن حاسما، في تحقيق النتائج المرجوة“.
ونفى هارون أن يكون الرئيس الشاذلي قد أبعد بالقوة أو تمت إقالته، مؤكدا أنه انسحب واستقال بمحض إرادته: “في الحقيقة، فإن الرئيس، وفور صدور نتيجة التصويت، قد فكر في “اتخاذ قرار ما“، لقد التقى به وزير الدفاع الوطني خالد نزار، يوم 28 ديسمبر 1991، وأورد مجريات المحادثة كما يلي: “كان واقعا تحت تأثير الصدمة، ففضل تأجيل محادثاتنا إلى موعد لاحق. أمام التقدير المتشائم الذي تم التوصل إليه في “عين النعجة” في شأن الأحداث والتعقيدات الخطيرة التي يمكن أن تسفر عنها، فقد صرح قائلا: “في نيتي أن اتخذ مبادرة“، من غير أن يقدم أي توضيح آخر، طلب منه تأجيل اتخاذ أي قرار إلى غاية توصل مجموعة عمل، تم تكليفها، من قبل وزارة الدفاع الوطني، بحوصلة الانتخابات، إلى تقديم استخلاصاتها المرجوة في هذا الشأن“.
أثناء ملاقاة أخرى، يوم 6 جانفي 1992، وبعد اطلاعه على تقرير المجموعة، صرح الراحل الشاذلي –من غير تلفظ بكلمة استقالة– بأنه من المؤسف بالنسبة إليه أن لا يرى سوى مخرج واحد للوضعية، وهو تكليف الجيش بتسيير الأوضاع، متمنيا اجتناب “كل شوشرة“.
علي هارون أكد أن الرئيس الشاذلي بعث بنفسه رسالة إلى المجلس الدستوري مؤرخة في 11 جانفي يبين فيها أسباب استقالته وصرح بما يلي: “نحن نعيش اليوم ممارسة ديمقراطية تعددية، تتميز بتجاوزات عديدة، في محيط تتواجه فيه التيارات… أمام هذه التطورات الأخيرة، فكرت مليا في وضعية الأزمة، وفي الحلول الممكنة من منطق الوعي بمسؤولياتي، في هذه الظروف التاريخية التي يجتازها بلادنا، اعتبر أن الحل الوحيد للأزمة الراهنة، يكمن في ضرورة انسحابي من الساحة السياسية.. اعتبارا من هذا اليوم، أتخلى عن وظائفي كريس للجمهورية“.
ويبين علي هارون تعليقا على استقالة الشاذلي بن جديد أنه لو دفع إلى الاستقالة لكان جرد من أملاكه أو زج به في السجن كما فعل بومدين بالرئيس بن بلة.
وذكـّر علي هارون في كتابه الذي نقله إلى العربية أحمد بن محمد بكلي، بالمبررات الدستورية والقانونية التي سيرت المجلس الأعلى للدولة والجهود الجبارة التي كان على أعضائه القيام بها داخليا وخارجيا من أجل الحفاظ على الطابع الجمهوري للجزائر، مؤكدا أن “الفيس” كان قد تبنى اديولوجية العنف حتى قبل الإعلان عن نتائج الانتخابات “تصريحات قادة الفيس، شعارات المظاهرات والتجمعات، وكذا أحداث ڤمار والعاصمة وغيرها“.
هارون عاد في كتابه بالتفصيل إلى مختلف أحداث العنف التي عرفتها الجزائر والبيانات الدورية للمجلس الأعلى للدولة وكذا حيثيات استقدام بوضياف الذي كان مايزال متحفظا تجاه رفقاء السلاح، حيث تطلب وقتا وجهدا لإقناعه باستقبال الرئيس بن بلة ونسيان أنه أقدم على وضعه في السجن عندما كان رئيسا قبل أن يفعل به العقيد بومدين نفس الشيء.
وأكد علي هارون أيضا انه بعد اغتيال بوضياف قدم استقالته لخالد نزار “الذي صار مؤقتا هو الرئيس“، شد يدي في يده وترجاني أن لا أتخلى عن المجلس الأعلى للدولة حاليا. فإذا غادر ممثل المجتمع المدني المجلس ستكثر الدعايات حول اغتيال بوضياف.
اغتيال بوضياف.. الفرضية والحقيقة
علي هارون تطرق أيضا إلى تداعيات اغتيال الرئيس بوضياف التي تمت على يد ضابط ذو ميول متطرفة مما اعتبر تصرفا معزولا كان نتاج الدعاية المغرضة وعمليات غسل الأدمغة التي زاولها “الفيس“، لكن هارون من جهة أخرى لم يستثن مسؤولية جهاز الأمن المكلف بحراسة الرئيس في الحادث “.. لا مناص من أن تنسب المسؤولية المعنوية الإدارية والسياسية، بكيفية ما، إلى المصالح المكلفة بحراسة الرئيس. ما الذي حال دون ملاحظة الميول الدينية لدى هذا الضابط الشاب؟… لماذا الحرس المقرب، لم يتلبثوا باستمرار خلف الرئيس“.
في السياق ذاته، يكشف كتاب علي هارون انه تم عرض الرئاسة على خالد نزار بعد اغتيال بوضياف، لكنه رفضها رغم إصرار أعضاء المجلس الأعلى للدولة، لأنه في تلك الظروف التي عرفتها الجزائر كان الجيش هو الدعامة الصلبة للحفاظ على البلاد، حيث قدم المؤلف مشهدا بانوراميا لتشرذم القوى السياسية بحيث كان من الصعب تحقيق التوافق على اسم من الساحة السياسية يومها “فلا حزب جبهة التحرير الجديد الذي غاب في منتصف جوان 1992، من الساحة، اثناء الاضطرابات والإضراب التمردي المعلن عنه من قبل الفيس، الذي سيسحق في ديسمبر الموالي ولا الديمقراطيين وقد تفاهموا على أساس عدم التفاهم، ولا بالخصوص حوالي الخمسين حزبا الباقية “السنافر“. ليس ثمة من كان قادرا على التكفل بالتسيير الإداري للبلد“.
وذكر علي هارون أن خالد نزار رفض الرئاسة، لأن هذا كان سيعزز الإشاعة التي روجها الفيس وأطراف في الخارج كون الجيش هو الذي أزاح “رئيس مزعج” فاقترح خالد نزار على كافي لخلافة بوضياف، لكن “المسؤولية ستظل مشتركة بين أعضاء المجلس الأعلى للدولة“.
في ذات الكتاب، يتطرق علي هارون إلى موقف الجبهات الثلاث “جبهة القوى الاشتراكية والتحرير والإنقاذ” التي اتفقت على معارضة المجلس الأعلى للدولة، وقد أدى هذا إلى تصادم بين خالد نزار وعبد الحميد مهري الأمين العام للحزب يومها مع العلم –يؤكد هارون– أن آراء ومواقف مهري كانت تلقى معارضة من داخل الآفلان نفسه، وهو الأمر الذي عجل بحدوث الانقلاب العلمي وإزاحته من على رأس الحزب العتيد، وقد لجأت بعض الأحزاب يقول هارون إلى “مقايضة“، أو مساومة المجلس الأعلى للدولة مقابل تأييد قرارته.
الكتاب يشير إلى عمل الحكومات المتعاقبة في تلك الفترة من حكومة غزالي إلى حكومة بلعيد عبد السلام التي وجدت نفسها قد ورثت وضعية اقتصادية هشة وصعبة، بل حرجة، حيث حمّل بلعيد عبد السلام حكومة حمروش مسؤولية التساهل تجاه المؤسسات الدولية، حيث منحها الحق في الدخول في استغلال المحروقات.
وفي هذا الصدد، يؤكد علي هارون أن بلعيد عبد السلام عين من قبل المجلس الأعلى للدولة بعد استقالة حكومة غزالي، وقال هارون أن التصريحات السابقة لبلعيد عبد السلام والتي ادعى فيها انه تلقى تكليفه من الجيش فقط، وهو التصريح الذي ضرب مصداقية البلد في العمق، خاصة وأن علي كافي كان في تلك الفترة يستقبل في مصر من طرف حسني مبارك، وهذا ما أدى بالرئيس الراحل علي كافي إلى طلب اجتماع للمجلس الأعلى للدولة بما في ذلك ممثل الجيش خالد زار، وطلب من بلعيد عبد السلام تقديم استقالته، خاصة وأن ملف جدولة ديون الجزائر من طرف صندوق النقد الدولي كانت إحدى نقاط الخلاف الجادة بين بلعيد عبد السلام والمجلس الأعلى للدولة.
السعودية رفضت مساعدة الجزائر.. والحسن الثاني قايض لعيادة بملف الصحراء الغربية
علي هارون تطرق أيضا للعزلة التي كانت البلاد تعاني منها، خاصة الحصار الذي ضرب عليها من طرف بعض الدول، حيث ذكر المؤلف بزيارة رضا مالك إلى السعودية والتي عاد منها بنتائج هزيلة، وزيارة أخرى لنزار استقبل فيها من طرف الملك فهد على انفراد في لقاء دام ساعتين، اعترف فيها بكونه استقبل عباسي مدني وعلي بلحاج، لكنه نفى أن يكون الرجلان قد تطرقا للأمور السياسية، كما تأخرت باريس عن استقبال السفير الجزائري الجديد المعين لدى فرنسا في جانفي 1993.
وفي السياق، أبدت فرنسا حسب شهادات هارون، نوعا من التراخي تجاه التساهل بشأن نشاطات المتطرفين الذين يستهدفون الجزائر انطلاقا من الأراضي الفرنسية، وفي ذات القضية يكشف كتاب هارون أن الملك الحسن الثاني حاول مساومة الجزائر في ملف الصحراء الغربية نظير تسليم لعيادة للجزائر بعد تدخل “بكيفية” جادة من طرف خالد نزار لحل الملف.
هارون تعرض أيضا إلى ندوة الوفاق الوطني وجلسات الحوار الطويلة والشاقة والرامية للتوفيق بين مختلف الأطياف السياسية، مؤكدا أن الاتصالات الأولى التي تمت للبحث عن خليفة لعلي كافي بعد نهاية عهدة المجلس الأعلى للدولة تمت دون أن يسمع بها المجلس: “من المؤسف أن المجلس الأعلى للدولة، لم يطلع رسميا بتلك الاتصالات، مع أنها دامت طيلة ستة أسابيع“.