الشمس شمسي والعراق عراقي..
من لم يمسك قلبه خشية الانفطار وهو يتابع أخبار العراق فليتحسس ضميره ووجدانه، إنه مشكوك في عروبته وفي إسلامه وفي إنسانيته.. من استساغ شربة ماء فيما هو يرى ويسمع أخبار العراق فإن قلبه فرغ من معاني الرجولة.. وإن من لم يصرخ في وجه القتلة والمتآمرين والمتاجرين والفسدة والعملاء يكون قد حشر نفسه في صفهم.. إنها المذبحة وإن اختلفت السكاكين وتعدّدت شعاراتها فالقصد واضح: إنه إنهاء العراق وإلغاء دوره وضرب الأمة بذلك بخنجر قتال لا تفيق بعده أبدا.. فلقد كان العراق دوما سيف العرب وعقلهم.. فمعذرة يا رسول الله لقد عاثوا بأمتكم الإفساد ذات البين.
حول الموصل بحجة الحرب على داعش تحتشد كل الرايات من كل الجهات في مشهد سينمائي تزيده وكالات الأنباء بهرجة وإثارة.. وتشرف طائرات امريكا على سماء المعركة وتمنح اشارات البدء للهجوم او التوقف عنه حسب رزنامة أمريكية وتقوم طائرات فرنسية بقصف مواقع عسكرية تقول انها لداعش.. وبعد أيام طويلة من الحشد والاعداد وتحرك القوات المتنوعة لم تبدأ المعركة بعد.. ويتم تصوير السيطرة على قرى في محيط الموصل على اعتبار انها انتصارات استراتيجية على طريق “تحرير” الموصل.
وفي بغداد واحيائها تفجيرات تذهب بعشرات ومئات الضحايا من الامنين المظلومين بلا ذنب بحجة انها رد داعشي يستهدف الحاضنة الشعبية للحشد الشعبي وللحكومة.. السيارات المفخخة والانتحاريون والانغماسيون والمدججون وسوى ذلك من اسماء وألقاب لحملة الموت والقتل تفسّر بالضبط الصياغة السياسية للموقف الامريكي من الكل العراقي.. ويصل الامر مداه بالقتل بين الطائفيين الحاقدين الجهلة المتواطئين مع اعداء الامة اصحاب المشاريع الصغيرة..
وهكذا يبدو ان المشهد ينقسم على جبهتين يقودهما المتطرفون الذين يجدون العداوة بينهما اكبر من العداوة مع الاجنبي المستعمر، لذا لا يترددون في التحالف مع الاجنبي ضد ابن البلد وابن الدين الواحد.. هذه هي المحصلة التي انتهى اليها الافراز السياسي والثقافي في بلد كان واحة التنوع والتداخل والتكامل الثقافي البديع.
فحكومة العبادي وقبلها المالكي والجعفري هي حكومات طائفية نتاج للاحتلال الامريكي للعراق وافراز لتكسير الدولة العراقية وهي لا تشم ابعد من انفها ولا تتصرف الا بحقدها ولا ترى اكثر من تحت ارجلها.. مارست القتل والذبح في الفلوجة والانبار وتكريت وصلاح الدين وغطت للامريكان عمليات تصفية واعدام واغتيالات قيادات عراقية مخالفة لها، وقامت بعمليات تطهير طائفي في المؤسسات، ورسخت اوضاعا قانونية توزع الناس طائفيا وترسم حالة التبعثر الطائفي والقومي وقامت بالاستحواذ على ثروات البلاد ونهبها.. وقامت بالزج بعشرات الالاف في السجون في اسوأ ظروف.
وفي مقابل ذلك كان التفجير من قبل تنظيمات طائفية تذبح على الهوية في البصرة وكربلاء والنجف وبغداد وتقتل الناس بالجملة وتذبح بالسكاكين وتلقي بهم في النهر بلا اي وازعٍ من دين او خلق.. ووجدت هذه التنظيمات حواضن منتشرة في العراق غذّاها السلوك الطائفي للحكومات العراقية المتتالية والتي تسير في سياقها المليشيات الطائفية.
في المشهد المأساوي تنتشر ثقافات قاتلة تملأ اذنك قيحا عن النسب الطائفية والتوزع الطائفي، وتسمع عن امتلاك فئة منابع الثروة وامتلاك فئة اخرى منابع الحياة، وتسمع عن اكثرية طائفية من حقها ان تحكم وعن اقلية طائفية تُقتل وتُستعبد.. ورغم ان الجنون والكذب والجهل هي ادوات هذا الكلام الا انه لا يقف عند هذا الحد.. انه تعدى ذلك الى حرق المساجد والمقابر والاضرحة والمعابد وبيوت العبادة.. وهكذا نكتشف ان النار المشتعلة في العراق لا علاقة لها بمذهب ولا بمبدأ ولا دين انما هي سلوكات جاهلية طائفية حاقدة تديرها اجهزة الامن الامريكية.
بعد ثلاثة عشر عاما على الاحتلال الامريكي، اثبت قادة الحكومات الطائفية والمليشيات الطائفية انهم لايصلحون للحكم وان مفهوم المواطنة ابعد ما يكون عن عقولهم، فهم مسكونون فقط بالفكر والولاء الطائفي، وان كلامهم عن الآخرين فقط من باب التمييع والالتفاف حول واقعهم، وان قدومهم للمشهد السياسي كرس حالة التشظي في المجتمع العراقي ذي الحساسية البالغة لتنوعه القومي والمذهبي.. بعد ثلاثة عشر عاما اثبت هؤلاء الساسة الذين ترعرعوا في حماية الاحتلال الامريكي وكانوا اداته الحاسمة ان لديهم مشروعا واحدا فقط: انه مشروع الانتقام والحقد والتعطش للسلطة، فتفجرت في دواخلهم ينابيع الشر فمرة يذهبون لتطهير طائفي ومرة لتطهير من حزب البعث ومرة لتطهير من كل ماهو سواهم.. فكان هذا كله تأجيجا لانبعاث المجانين المتطرفين في اجزاء من العراق بخطاب طائفي مضاد وجد حاضنة شعبية واسعة له.
من هنا، فإن حرب الموصل ليست حرب تحرير كما يدعيها اصحاب المليشيات الطائفية، فهم ابعد ما يكونون عن التحرير معنى ومبنى، ففي وقت التحرير ما كنا لنسمع عنهم الا في مواخير الامريكان، كما ان حرب المتطرفين من الدواعش وسواهم ليست حرب سنة ضد روافض؛ فالحرب لم تكن في يوم من الايام حرب سنة وشيعة، انما هي حرب العراقيين ضد الاحتلال الامريكي واعوانه ايا كان لونهم الطائفي او القومي.. انها حروب الحقد والجهل والعصبيات الباطلة التي نهانا عنها الله سبحانه وتعالى.
وبعد هذه السنوات الطويلة المقيتة النحسة كان لزاما على اصحاب العقل والمخلصين ان يصدعوا بالحق لايقاف مسلسل البناء على اساس طائفي وان تصبح الحكومة حكومة الجميع وان لا يشترط لرئاستها احد لانتمائه الطائفي او العرقي ويُرفض اخر لنفس المبرر.. بعد هذه السنوات المقيتة تعمقت الروح الطائفية بين الفئتين الكبيرتين وتسربت هذه الروح الشريرة الى خارج العراق حيث اصبحت جماهير السنة الواسعة تحت الضغط الاعلامي لتحسس الخطر على العراقيين من اهل السنة.. والمطروح هنا ليس المذهب وانما الناس.. وهذا يعبِّر عن درجة من السوء وصلناها لم تخطر على بال عاقل.
هل ينجح الحشد الشعبي والمليشيات الاخرى باسمائها العديدة في اقتحام الموصل؟ هناك دمار كبير سيلحق بالموصل وقد يكون هذا هو الهدف وليس تحريرها.. ماهو مصير ملايينها؟ ما هو مصير دورها ووموقعها؟ والى اي حد سيمس ذلك تركيبة المنطقة؟
لن ينجح الحشد الشعبي ولا كل المليشيات في السيطرة ان تمكنوا من الاقتحام.. لن يتمكنوا لانهم ليسوا مؤهلين لخطاب عراقي جامع بل تصر اللهجة الطائفية ان تنز من افواههم من حين الى اخر.. كما ان داعش والمسلحين معها تكون ألحقت بأهل السنة خسائر فادحة لسوء منطلقاتهم وروحهم الحاقدة وطباعهم البائسة..
لايمكننا ان نجد مبررا لحكومة العبادي والحكومات التي سبقت والمليشيات التي تتبع اوامره بعد ان وجدنا هذه القوات تسير وفق توجيهات من القيادة العسكرية الامريكية وتلتزم بلحظة الصفر التي اتخذتها امريكا.
إن توحيد العراق أمر لابد منه وعلى اعتبار الوطن الواحد ودونما طغيان من قبل اصحاب الحسابات السياسية الضيقة التي يستغلون تحت جنباتها الشعارات الطائفية.. وسيكون للعراقيين الوطنيين كلمتُهم عما قريب رغم التعتيم الرهيب على صوتهم، فلقد انطلقت مظاهراتهم في أكثر من مرحلة وكادت ان تبلغ مراميها لولا ارتفاع صوت الاعداد لمواجهة “التكفيريين”.. تولانا الله برحمته.
حكومة العبادي وقبلها المالكي والجعفري هي حكومات طائفية نتاج للاحتلال الامريكي للعراق.. مارست القتل والذبح وغطت للامريكان عمليات تصفية واعدام واغتيالات قيادات عراقية مخالفة لها.