-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الشيخ المطيش ابن الشريف

الشيخ المطيش ابن الشريف

لا أعلم إن كان هذا الاسم، “المطيش”، (بفتح الطاء والياء المشددة) معروفا في مناطق الجزائر، ولكنه موجود في المنطقة التي نشأت فيها…

وهو من بقايا “الجاهلية”، لأن معناه هو “الشيء المرمي”، ومع ذلك كان يسمى به، ويطلق على من ولد بعد إخوة لم يقدر لهم أن يعيشوا– فيظن بعض الناس لجهلهم أنهم إن سموا أبناءهم به “عافهم” الموت، كأن للموت عقلا يعي، وعينا تبصر. وشبيه به اسم “العيفة”، و”الدايخة”…

قضيت يومي الخميس والجمعة الماضيين (21-22/9/2017) ببلدية “تسدان حدادة”، من ولاية ميلة، وهي بلدة أعرفها منذ طفولتي، لأنها موطن والدتي وأخوالي وأخوال والدي.. وقد اغتنمت الفرصة فجست خلال ديار قرى تلك المنطقة الجميلة، ترويحا عن النفس، واستدعاء للذكريات… ومن هذه الذكريات مروري غير بعيد عن مكان لي فيه ذكرى جميلة منذ أكثر من ستين سنة.. هذا المكان ولد فيه وعاش أحد علماء الجزائر المجهولين، وما أكثرهم، وما أقطع وأقبح جهلنا لهم، وإهمالنا لهم. هذا العالم هو الشيخ “المطيش ابن الشريف”، ولقبه هو “طويل”، ووالده هو السعيد بن عمر، وقد ولد في سنة 1871 أو 1872. بعدما حفظ القرآن الكريم في مسقط رأسه، التحق ببلدة “سيدي خليفة” القريبة من ميلة، حيث زاوية “آل الحسين”، فألم بمبادئ اللغة والعلوم الدينية، ثم التحق بمدينة قسنطينة، وانسلك في طلبة الشيخ حمدان لونيسي، وأنبه إلى خطإ ما ذكره مؤلفو “معجم أعلام الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين” (ج2 . ص 353) من أن الشيخ حمدان “عندما حضره الموت أوصى بأن يصلي عليه الشيخ المطيش، فحضر من فج مزالة إلى قسنطينة، ولكنه آثر ابن حمدان الونيسي على نفسه، وفضل أن يصلي الابن على أبيه”. والمعروف هو أن الشيخ حمدان خرج من الجزائر إلى الحجاز في نهاية العشر الأوائل من القرن العشرين، وتوفاه الله– عز وجل– في سنة 1920 بالمدينة المنورة. 

من مدينة قسنطينة انتقل إلى تلمسان، ثم ذهب إلى المغرب الأقصى، حيث “دامت رحلته العلمية أربعا وعشرين سنة”. (محمد الصديق مقراني. فج مزالة من 1830 إلى 1954. ص 61). 

ويمكن للمرء أن يتساءل عن سبب ذهاب الشيخ المطيش إلى المغرب الأقصى البعيد نسبيا، وعن عدم ذهابه إلى تونس، وهي قبلة طلبة الشرق الجزائري، وقد يكون للشيخ عبد القادر المجاوي تأثير على الشاب المطيش، وقد عاش الشيخ المجاوي ودرس بالمغرب قبل أن يعين في “مدرسة قسنطينة”. وإلى حد الآن، لا نعرف السنة التي ذهب فيها الشيخ المطيش إلى المغرب، ولا السنة التي عاد فيها إلى الجزائر– كما لا نعرف إن كان حصل على شهادة علمية. 

وبعد عودته من المغرب ذكر مؤلفو كتاب “أعلام الجزائر…” أنه “عمل إماما ومفتشا” قبل أن ينتقل إلى مدينة جيجل للعمل بها إماما ومدرسا أيضا”. (ج2. ص 352).. ثم استقر في مسقط رأسه و”أنشأ زاوية، وهي عبارة عن مسجد للصلاة، يتحول بين الصلوات إلى مدرسة كانت منارة للعلم والتعليم بالمنطقة”. (مقران– فج مزالة، ص 62). 

الشيخ المطيش وجمعية العلماء: 

تتضارب الروايات عن انضمام الشيخ المطيش إلى “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، فرواية تذهب إلى أنه “لم ينتم إليها مطلقا”، (مقراني… ص 60)، ورواية تذهب إلى أنه “كان من المنخرطين في جمعية العلماء”. (معجم أعلام الجزائر… بوصفصاف، ج2. ص 352). 

وأيا ما كان الأمر، فالشيخ المطيش يعرف الإمام عبد الحميد ابن باديس، ويقدره حق قدره، وتذهب رواية إلى أنهما تزاملا في الدراسة على الشيخ حمدان لونيسي في قسنطينة، وللشيخ المطيش مكانة في نفس الإمام ابن باديس، الذي كان يقول لمن يستفتونه من أهل فرجيوة وما حولها: “كيف تستفتوني وعندكم الشيخ المطيش”. (مقراني– فج مزالة…ص61). 

وإذا كان لم يثبت انضمام الشيخ المطيش إلى “جمعية العلماء”، فإنه “كان من مؤيديها ومناصريها”. ومن تلاميذه من كان عضوا فيها…

لا يمكن لكل صاحب ضمير حي، وذي كرامة إنسانية، فضلا عن أن يكون عالما عاملا تقيا إلا أن يكون عدوا لفرنسا التي طغت في الجزائر، وكانت أرأف وأرحم بالحيوانات منها بالجزائريين. 

وما كان للشيخ المطيش أن يركن إلى فرنسا، ولعل عدم سكناه في الحواضر يعود إلى كرهه الشديد للفرنسيين، حيث يضطر إلى رؤيتهم في غدوه ورواحه، ففضل سكنى البادية… وكان الشيخ المطيش عندما يتنقل بين القرى والتجمعات السكانية يمزج بين القضايا الدينية والقضية الوطنية… وكان عملاء فرنسا يسترقون السمع لما يقوله الشيخ المطيش ويبلغونه إلى الفرنسيين… وقد اهتبلت فرنسا حوادث 8 ماي 1945 فبطشت بالشيخ المطيش وآله، الذين قتل منهم من قتل، وسجن من سجن، وقد لبث الشيخ المطيش في سجن الكدية بقسنطينة، وفي سجن الحراش بمدينة الجزائر بضعة أشهر… وما أخرجه من السجن إلا أمراضه الكثيرة وشيخوخته… فأطلق سراحه في 26 ديسمبر 1945. وتروى عنه مواقف في السجن منها أن مسئولا يهوديا في السجن سخر من الشيخ فطلب منه أن يعلمه شيئا من القرآن أو من الفقه– فما كان جواب الشيخ إلا أن قال له: “إن العسل لا يوضع في جلود الكلاب”. (مقراني– فج مزالة…. ص 64). وقد سئل إن كان حرض على الجهاد في حوادث 8 ماي 1945، فأجاب المسؤل الذي سأله: “والله، لو كنت أملك قوة لما تخلفت عن جهادكم ومقاومتكم”. (مقران… ص 64)|. لقد سمعت من يذكر أن الشيخ المطيش ترك آثارا، فإن سلمت فالواجب هو إخراجها إلى الناس، خاصة أنه يروى عنه “أنه أعلم أهل الجزائر بالفرائض، أي علم المواريث”. (مقراني. ص 61).

والعدد 247 من جريدة البصائر، الصادر في 13 نوفمبر 1953 نشر نعي الشيخ المطيش ونص النعي: “فج مزالة. انتقل إلى رحمة الله الشيخ المطيش ابن الشريف، فإلى آله وذويه تعازينا”. 

وأما الذكرى الجميلة التي أشرت إليها في صدر هذه الكلمة، فقد وقعت في أحد أيام خريف 1952، حيث مررنا (خالي عبد الرحمان، ووالدتي، وأنا ابن خمس)، مررنا على منزل الشيخ المطيش، فقالت الوالدة لخالي: يا عبد الرحمان، هاهو الشيخ المطيش جالسا فخذ إليه محمد الهادي ليدعو له، فلما وصلنا إلى الشيخ رفع رأسه، فقبل خالي رأس الشيخ، وأخبره أن هذا الطفل من عائلة الحسني، ووالدته ترجوك أن تدعو له، فاستلمني الشيخ، ووضع يده على رأسي، وقرأ ما قرأ… ولم تبرح هذه الصورة ذاكرتي إلى اليوم… وكلما تذكرتها ترحمت على الوالدة، وعلى خالي عبد الرحمان، وعلى الشيخ المطيش، وكنت أقول لعل ما من الله به علي من فضله هو من أثر دعوة الشيخ المطيش، رحمه الله. وأغتنم هذه الفرصة لأدعو بلدية تسادان إلى إطلاق اسم الشيخ المطيش على مسجد من مساجدها، أو مدرسة من مدارسها، إن لم يكن قد فُعل ذلك. كما أدعو الأستاذ مسعود بولجويجة، مدير الشؤون الدينية يولاية ميلة إلى عقد ندوة للتعريف بالشيخ المطيش، فهو أهل لذلك لعلمه، ووطنيته. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
16
  • خالد عبد الحميد

    ندعو الله عز و جل ان يوفقك انت و امثالك في سن الحكمة هذا الى ارساء مجمع لحماية مقومات هذه الدولة التي تنكر لها اولادها مممن رضع من ثدي الاستعمار و لم يستطع لثقافته المادية فطاما فوفقكم الله لارساء مبادئ لحماية مقومات هذه الامة من مبادئ و شخصيات عسى ان يتوقف المتنكرون و الجاهدون من اجل خدمة فرنسا و اخواتها عن النباح بما ليس له صلة بهويتنا و المبادئ التي قامت عليها ثورتنا المجيدة و التنكر للاسلام و اهله و طمس شخصية العربي الممزوجة بالبيئة البربرية التي كانت امسا مدعاة للفخرة و اليوم مدعاة للنكرة

  • moh

    تفكيرك هو الضيق و نظرتك مادية بحته بحيث لا تقل اهمية العلم الشرعي الذي ينظم حياة الانسان, هذا العلم الذي هو غائب في الغرب الذي تحولت مجتمعاته الى مجتمعات مادية شهوانية حيوانية حيث اصبح الانسان فيها يعيش فراغا و يتخبط في الشهوات من اجل ملئ الفراغ بدون جدوة

  • الحاج

    السلام على الجميع و تحية إلى الأستـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاذ الفاضل
    دعها إنها منتنة ( موجهة إلى AHMED )

  • هاشمي

    شكرا أستاذي على جهودك في التعريف بأعلام الجزائر المسلمة لعل محبتهم توقر في قلوب هذا الجيل الذي فقد القدوة الصالحة فصار يتلقفها من الشرق و الغرب فتضاربت اتجاهاته فلو أن الذين آتاهم الله فضله من العلم تعاونوا مع من رزقهم نعمة المال على نشر سير هؤلاء العلماء و علومهم لكانوا قد حفظوا لهدا البلد هويته و صانوا هذا الجيل من كل زيغ أو ضلال، شكرا مرة أخرى

  • بدون اسم

    لقد أجرمتم في حق كلمة " عالم " التي لو بحثنا في تعريفها ومفهومها لوجدناها كما يلي : كل من إبتكر أو صنع أو إكتشف .... في مجالات مختلفة وساهم بها تطوير حياة الأفراد والمجتمعات اما عندنا فتطلق على كل من هب ودب : مشعوذون وصناع الخرافات والاساطير والدراويش وتجار الأحلام والأوهام....

  • ام كلثوم

    جزاك الله خيرا على هذه المجهودات الجبارة التى تبذلها فى سبيل تنوير القراء وتوسيع مداركهم وتعريفهم بتاريخ اجدادهم واسلافهم ومن بينهم هذا العلامة الشيخ الوقور الذى عرفتنا به ..حقا الجزائر العميقة تزخر بكثرة علمائها فى الاصلاح والدين وانتشارهم فى كل مكان لكن غياب سياسة رشيدة فى المنظومة الثقافية فى بلادنا حالت دون الترويج لهؤلاء والتعريف بهم ليتمكن المواطن الجزائرى من ادراك والاطلاع على تاريخ رجال ساهموا فى النهضة وفى نشر العلم والمعرفة ..صدقت بركة هذا العالم تلازمك ونحن ننتفع معك ..رحم الله الرجل

  • بومليل ـ بوزريعة

    ذريّة بعضها من بعض

  • merghenis

    •أنظر التعليق رقم 6 لصاحبه عبد الحليم ح. (من فرجيوه)على مقال الكاتب بعنوان :" الشيخ بلقاسم ابن منيع" ،30/04/2015
    • أنظر مقال لكاتب بعنوان : "فج مزالة من بداية المقاومة إلى الثورة 1830- 54)02/03/2017
    •كتب عبد الحليم ح. مقالا بعنوان "شيخ علماء فرجيوه" ( االشيخ الجليل المطيش اطويل).
    رحمه الله

  • دخان- المسيلة

    رعاك الله ايها الاستاذ الكريم و العالم الجليل سي محمد الهادي الحسني و بارك الله فيك على ما تقوم به من تعريف و اخراج بعض مكنونات التاريخ الجزائري باساليب تحمل المعلومة كما تحمل اللطيفة و تخطّ الدروس و العبر لاولي الالباب - اننا نقف امام لسانك المكتبة و قلمك السيّال لننهل الرحيق الروحي و الثقافي - كما نشكرك حينما شرفتنا زيارتك لمدينة المسيلة و شرفتم شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين - دمتم في خدمة الدين و الوطن.

  • الجاهل

    ***السلام عليكم. و قد ذكر الدكتور سعد الله رحمه الله في كتابه تاريخ الجزائر الشيخ الملاري و زاويته القريبة الموجودة بمنطقة يقال لها الملارة و هي قرية متاخمة لتسدان حدادة و كانت هذه الزاوية تصلح ذات البين بين القبائل المتناحرة حتى بلغ صيتها دولة الحماديين ببجاية.لذا أطلب من اﻷستناذ التطرق لهذا الموضوع مستقبلا.***السلام عليكم.

  • عبد الله

    حفظك الله ايها الرجل الطيب و رفع دكرك كما دابت على رفع شان اهل العلم

  • AHMED

    السلام عليكم
    هل دعا لك لتكون إخوانيا و أنت تزعم الإنتساب إلى جمعية العلماء
    لا أجعلك في حل إن حذفت تعليقي

  • نورالدين بن عبيدي الجزائري

    مصحوبة بــ العِبرة،و أظن مرة 2 أن العبرة تكون من درس مأخوذ سواء عِلما أو نتيجة القصة.و عندما أفتح قرطاس التاريخ و أتصفّح ورقاته من كلمة تنفع و أخرى تدفع اطمأن بسكينة من رجل يحدثني ليجلبني من حاضري بدون مستقبل لماضي فيه مستقبل الدرس و المعرفة،هذا الماضي السحيق بعبره و دروسه تنتقل لأصحابه كإنتقالي من سطر إلى ءاخر.الماضي الحاضر و المستقبل كالشريط الوثائقي يتحرك و يدور و يلتفت حول نفسه يكبر و تكبر همتنا و عزيمتنا يزيد صوابنا و تقل أخطأنا فالنركز على علمهم و نختصر بقدر الإمكان على تحركاتهم . تحياتي !

  • نورالدين بن عبيدي الجزائري

    الشيخ المطيش من ظاهر إسمه ذكرني بقصة التابعي: سعيد المسيَّب الذي كان يغضب على من يناديه بفتحة على الياء، يقول:اللهم سيَّب مَن سيّبني! فأصبح ينادوه بــ سعيد المسـيِّب...على كل حالى أظن و الظن أقرب من اليقين و بعيد عن الشك لو نأخذ من علم الذين توفاهم الله تعالى يكون نافعاً جدا من التركيز المفرط في التواريخ و التنقلات... لأن العمر قصير و العلم غزير فإذا كنا نقيّم عِلم الرجل فنأخذ ما هو قيّم و أكيد أنه سيسعد بما كتبت يده و قال لسانه أكثر من شيء ءاخر. و القرءان علمني أن القصص المذكورة فيه إلا و جائت

  • حسين

    شكرا لك يا أستاذ لقد نورتنا بكنوز الجزائر الدفينة الله ينور قلبك و قبرك ويمتعك بالصحة والسعدة في الدارين . حقا نحسبه عالما تقيا ربانيا زاهدا في دنياه وقد أختار البادية وترك المدينة ولقد أصابك بدعائه
    فكنت شعلة تضيء الطريق .

  • فريد ابن العربي

    السلام عليكم وبعد. أستاذنا الكريم محمد الهادي الحسني بارك الله فيك وفي أمثالك من قامات هذا الوطن العزيز . رحم الله شيخ أمتنا المحفوظ . وما أحوجنا إلى مثل هذه الالتفاتة. والسلام عليكم