الشيطان يعظ!
خروج بعض الأصوات الجزائرية، للتحذير من استنساخ تجربتنا المريرة في التسعينيات بتونس الشقيقة، هو تحذير يُخفي وراءه العديد من النوايا الخبيثة، وحق يراد به باطل!
ما معنى أن يخرج أحد الاستئصاليين المتطرفين عندنا ليطالب جنرالات المؤسسة العسكرية في تونس، بأن يسيروا على نفس نهج العسكر في الجزائر خلال بداية التسعينيات، داعيا صراحة إلى تدخلهم والانقلاب على الشرعية الانتخابية، لا بل إنه وبمعية رهط فكري آخر تحسّروا على أسماء جنرالات بعينهم، وطالبوا بأن يكون هنالك قادة عسكريون في تونس يمارسون الخطأ ذاته؟!
يتحدث هؤلاء المغفّلون عن السيناريو الجزائري ويحذّرون من تكراره، بالقول أن توقيف المسار الانتخابي ساهم في انقاذ الجمهورية حقا، رغم أنه خيار انتحاري جعلنا ندفع مئات الآلاف من الأرواح ومثلهم من المفقودين، وجرحا لا يندمل حتى بعد مرور عقود طويلة، ثم يأتي هؤلاء للتحذير من سيناريو جزائري دون الإشارة لخطأ العسكر، وتهوّر الاسلاميين ونقص الوعي عند فئات واسعة من الشعب!
يعترف رئيس الحكومة التونسية، حمادي الجبالي، أنّه وغيره من قيادات النهضة التي فازت في الانتخابات، مازالوا يتدربون على ممارسة الديمقراطية والتغيير، وبالتالي فإنها تجربة تكفل لهؤلاء الخطأ مع ضرورة الاعتراف به، والعمل بجدية لتفاديه وعدم تكراره، لكن أن يدعو البعض سواء في تونس، وبدعم خارجي مشبوه، بالاستثمار في دماء شهيد لم تبرد بعد، لاستعمالها في الانقلاب على خيار شعبي، وإقصاء الاسلاميين مجددا وإرجاع السلفيين إلى السجون، فهو خيار “شمشون” الذي ذقنا الويلات بسببه في الجزائر، ولا نريد تكراره حتى في الأحلام المزعجة!
السيناريو الجزائري كان سيّئا للغاية، حيث نظّر وخطط له البعض من الصالونات المكيّفة، ودفع ثمنه الباهظ الأبرياء و”الزوالية” في المداشر والقرى النائية، تماما مثلما دفع ثمنه كل الشعب من خلال الحلول الانتحارية التي انحدر إليها كل طرف ضمن اقصائه للطرف الآخر، وبعد كل هذا، يخرج علينا البعض محذّرا من تكرار السيناريو الجزائري في تونس، معتقدين أن الخطأ يكمن في اختيار الشعب للإسلاميين، أو في عدم تدخل العسكر مبكرا لوقف المسار الانتخابي؟!
صورة بعض الاستئصاليين عندنا والذين نفخ “النموذج التونسي” في أرواحهم مجددا وهم ينصحون “بقايا اليسار والعلمانية”، بضرورة التجنّد لصدّ التيار الديني، رغم اعترافنا بارتكاب هذا الأخير وقياداته لأخطاء شنيعة في ممارسة السلطة، هي بمثابة السيناريو المكرر لصورة “الشيطان يعظ!”
النصيحة المثالية التي يمكن تقديمها للأشقاء في تونس، تتمثل في عدم ممارسة الإسلاميين للسلطة بتهور وإقصاء وتعنّت، وللمعارضة باحترام الخيار الشعبي وعدم الانسياق وراء الفرضيات خصوصا عندما يتعلق الأمر باغتيال سياسي، كالذي تعرض له الشهيد شكري بلعيد، وللعسكر بعدم التدخل في السياسة والوقوف على بعد مسافة واحدة من كل الفرقاء السياسيين، حينها ستكون لنصيحتنا فائدة ولتحذيرنا من تكرار السيناريو الجزائري معنى.